في فندق الإنتركونتننتال في عمّان، جذبني أحد المحال الذي يعرض ما يعكس في داخله روح عمان المدينة الجميلة التي تجمع بين الأصالة والحداثة، إنها جواهر مصنوعة من الفضة والأحجار الكريمة وكذلك من خرز النحاس والزجاج المصنوع يدوياً من قبل حرفيين محليين، أو بحسب تعبير صاحبة المشروع ناديا الدجاني “إنها مجوهرات بقطع صغيرة إلا أنها تحمل رسالة كبيرة.
عبارتها القصيرة تلك استوقفتني، ودفعتني لإجراء حوار معها، أتعرف منها على ما أسمته “رسالة كبيرة”!
فطلبت منها رواية حكايتها من البداية. “من أين أنت؟”، وما دفعني لذلك السؤال، هو لكنة غريبة في حديثها يظهر من خلالها –لن أقول تكسرا في اللهجة -وإنما انحرافا فيها.
فأجابت: ” أنا وُلدت وعشت طفولتي في نيجيريا ثم انتقلتُ إلى لندن، ولم أمضِ سوى آخر خمسة عشر عاما الأخيرة من عمري في الأردن”!
فتعجبت من اهتمامها باللغة العربية واستخدامها الخط العربي في تصميم مجوهراتها في غربتها، في الوقت الذي نرى فيه شبابنا العربي بأرض الوطن يخجل من لغته العربية ومن قيمه الإسلامية، ونراهم يتباهون بما يعرفون من لغات أجنبية في حديثهم، وتقليدا غربيا في ملبسهم!

خلال تلك السنوات التي عاشتها في الخارج، دفعها حنينها إلى الوطن ورغبتها في التعرف على هويتها وثقافتها البعيدة عنها، إلى إجراء الكثير من الأبحاث مما أدى إلى عشقها بلغتها وتراثها، فعزمت على نقل هويتها الإسلامية وثقافتها العربية إلى العالم أجمع عبر تلك القطع الصغيرة.
تصاميمها مستوحاة من الحضارات السابقة التي مرت في الأردن الرومانية والبيزنطية والنبطية والإسلامية والبدو، بما في ذلك التمائم والتعويذات والقصص المختارة من الفولكلور، والتي تستوحيها من القطع والاكتشافات الأثرية.
أعجبها جمال الخط العربي فقررت أن تدمجه في تصاميمها لنقل تلك الهوية إلى العالم من خلال زبائنها، فالخط العربي يعكس هويتها العربية لكل من يقتني مجوهراتها، أما الروح الإسلامية فتعكسها من خلال الكلمات المنقوشة على قطع الفضة كالسلام والمحبة.
الهدف من ذلك هو الاستمتاع بـ “الموضة” وفي نفس الوقت خلق الوعي بالثقافة والتراث والتاريخ الأردني وكذلك العربي. يرافق كل قطعة من المجوهرات نص مطبوع مع “قصة” وراء الإلهام.

ما شاء الله
إلا أن تلك لم تكن رسالتها الوحيدة!
فالدجاني لم يكن همها الوحيد نفسها والعائد المادي، قائلة: “لو كان همّي “البزنس” والربح، لكنت لجأت للصين وحققت الربح الوفير من خلال التجارة، احنا مش محل اكسسوارات أو مجوهرات، احنا كل الشغل تبعنا صنع في الأردن، أهم شي إنه يكون عنا منتج أردني بأيدي سيدات أردنيات دربناهم ودعمناهم
ووظفناهم، لحتى صاروا يقدروا يعيلوا أسرهم”
هؤلاء السيدات –بحسب الدجاني -يقمن بالعمل من المنزل، وفي الأوقات التي تناسب كل منهن، إلى أن استعطن تطوير مهاراتهن على مر السنين إلى أعلى مستوى. وفي هذا تطبيق للمثل الصيني “لا تعطني سمكة ولكن علمني كيف أصطادها”.
فكم منا من يفكر في مساعدة الآخرين بتعليمهم مهارات تعينهم على مساعدة أنفسهم بسواعدهم بدلا من أن ينتظروا مساعدة الآخرين لهم؟ أليس حري بنا في الأردن وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي نمر بها أن نبدأ بتغيير طريقة معالجتنا للأمور؟
