نصف الأردنيين يحلمون بالهجرة
“كم انتِ جميلة يا عمّان، وأجمل ما فيك مطارك الذي يأخذني بعيدا عنك”
تلك الكلمات، كتبها صديق لي على أحد مواقع التواصل الاجتماعي مودعاً أصدقاءه ومعارفه بعد أن أنهى إجازته الصيفية في عمان، آلمتني جداً وتوقفت عندها كثيراً، وتساءلت حينها: ألهذه الدرجة أصبحت الأردن بيئة طاردة لأبنائها وكفاءاتها؟
إحصائيات رسمية
وفق استطلاع للرأي أجرته شبكة الباروميتر العربي البحثية في منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا شملت 11 دولة بينها الأردن، تبين أنه في تلك المنطقة يفكر حوالي واحد من كل ثلاثة مواطنين بالهجرة من وطنهم، واللافت في الأمر أن هناك ارتفاعا في نسبة الأردنيين الراغبين في الهجرة بحوالي 23% خلال العامين الأخيرين فقط لتصل إلى 45% في ربيع 2019، بينما الزيادة بين المغاربة بلغت 17%، وفي مصر 10% فقط خلال نفس الفترة.
أظهر الاستطلاع كذلك أن غالبية الأردنيين الذين يفكرون بالهجرة هم من فئة الشباب، وخاصة ممن هم ضمن الفئة العمرية 18-29 حيث بلغت نسبتهم 59%. وهذا يثير المخاوف من قضية أخرى وهي هجرة الأدمغة والكفاءات خصوصاً إذا علمنا أن نسبة كبيرة من المهاجرين هي من فئة المتعلمين.
فما هي الأسباب الكامنة وراء رغبة تلك الأعداد الكبيرة من الشباب الأردني والمتعلم للهجرة؟
أسباب الهجرة
محمد الزبن وهو اب لخمسة أطفال، قدم طلب لجوء إلى أستراليا منذ 7 سنوات-على اسم زوجته العراقية-يقول: ” أنا قدمت للهجرة وأنا محتاج لها بشدة لقد فقدت الأمل في أن استمر في الحياة في الأردن، أنا خائف على أبنائي، الوضع الاقتصادي يتدهور باستمرار”، ويضيف: ” لو أني أعمل بالساعات التي أعمل بها هنا في دولة أخرى لاختلف وضعي تماما فانا أعمل 15 ساعة يوميا، أنا مستعد للهجرة لأي مكان ولو أرسلوني للصومال… المال في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة. عندما لا يستطيع الشاب الحصول على دخل يضيق الوطن في عينيه
ولم يختلف الأمر كثيرا مع المهندسة نداء المجالي، فرغم أنها تملك شركة مختصة في الاستشارات في مجال الطاقة الشمسية والرياح، إلا أن العامل الاقتصادي كان هو السبب الأول الذي دفعها لتقديم طلب الهجرة إلى كندا، وذلك حين أوشكت على إغلاق الشركة قبل عامين بسبب الركود، تقول:” أغلبنا طلعنا على الدنيا ليس من الصفر بل من السالب وبمسؤوليات كبيرة، لقد كافحتُ كثيراً وواصلت الليل بالنهار لأصل إلى ما أنا فيه الآن، نحن لا نجد دعما”.
إلا أنها أضافت سبباً آخراً لرغبتها بالهجرة، وهو الفساد، تقول: “لقد أنشأت شركتي وتعبت عليها سنوات لأتفاجأ أن “متنفذا ما ” فتح شركة في نفس مجال عملنا وخلال أول شهر فقط تأتيه العطاءات فقط لأنه متنفذ”، تقول: ” لقد تظلمت كثيرا لكن من غير نتيجة، بل بالعكس من ذلك بدأت بتلقي تهديدات، بالتالي أنا في بلدي ولكني “مش حاسة حالي محمية””.
وكان هذا حال جاد الشلبي الذي هاجر منذ ثلاث سنوات إلى هولندا، يقول: “كنت أعمل موظفا في شركة خاصة، إضافة لمشروع خاص بي وهو محل موبايلات، كانت أموري مستقرة إلا أن سوق العمل بدأ بالتراجع تدريجيا إلى أن اضطررت مؤخرا لبيع محلي ثم بيع سيارة زوجتي في محاولة منا لتقليل النفقات قدر الإمكان، إلا أن الوضع لم يعد يُحتمل خاصة بعد أن تدهور وضع الشركة التي أعمل بها…وكله من أعمارنا فكان لا بد لي أن أجد البديل وبالتأكيد البديل هو الهجرة”.
أثناء حديثي مع جاد، حدثني عن معاناته في غربته وعن حنينه للوطن والذي يشتد في المناسبات الاجتماعية كالأعياد وشهر رمضان، وعن شوقه لوالديه وإخوته، الأمر الذي دفعني لسؤاله: “إن استشارك أحدهم بأمر الهجرة بماذا تنصحه”؟ فسكت مطولا ثم قال: “أنصحه بالهجرة”!
ما الحل؟
وهكذا، وبالعودة للاستطلاع نجد أن العامل الاقتصادي كان هو العامل الأهم في دفع الأردنيين للتفكير بالهجرة إذ بلغت النسبة حوالي 83%، يليه في ذلك، الفساد والمخاوف الأمنية والأسباب السياسية وطلب الفرص التعليمية.
كارثة كبيرة بحق الوطن تحصل أمام أعيننا، ولا نحتاج دراسات ولا استطلاعات للرأي كي نراها وندركها، فأن يأتي يوم نرى فيه أن 45% من شباب البلد المتعلم قد هاجر، هذا يعني خسارة الوطن لمقومات وجيل وعقول، يعني وطنا لم يبقَ فيه من يخدمه ويبنيه.
ولا ألوم هنا من يتخذ قرار الهجرة، لأنهم يحملون الكثير من الغضب والألم لتركهم موطنهم وأحبتهم والعيش في الغربة. وإنما أتوجه إلى أصحاب القرار بالسؤال: ماذا لديكم لتفعلوه لإعادة الأردنيين لوطنهم؟
