“ما كان في حل إلا أن أغلق محلي”
التقيته جالساً على كرسي أمام محله المغلق منذ ما يقارب الستة أشهر، الحزن في عينيه وهو ينظر إلى أكوام الرمل “الطمم” أمامه والتي يصل طولها إلى عشرة أمتار.
إنه خالد صبيح تاجر ألبسة نسائية، وقصته بدأت بعد انتهاء إجازة عيد الفطر حين خرج متوجها إلى محله التجاري:” تفاجأت بالحفريات في كل مكان والإغلاق العشوائي للطرقات، استغرقت أضعاف الوقت للوصول بسبب التحويلات”!
إلا أن تلك لم تكن هي مشكلته الحقيقية، فما قاله “صبيح” ينطبق على معظم سكان عمّان القاطنين في المناطق الحيوية، سواء في الصويلح أو طريق الجامعة أو مرج الحمام أو الإرسال أو غيرها الكثير، وذلك بسبب الإنشاءات القائمة لمشروع الباص سريع التردد الذي تعمل عليه أمانة عمان لحل مشكلة الأزمة المرورية في المدينة. فما هي قضية صبيح إذاً؟
صبيح هو أحد التجار الثلاثمئة الذين يملكون محلات تجارية في منطقة طبربور وتحديداً عند تقاطع طارق، والذين فوجئوا بالإغلاق أو “بالحصار ” لمحلاتهم -بحسب السيد بلال مسودة مالك محل السجاد-، مما عرضهم لضرر بالغ يتفاوت في حجمه بحسب موضع محل وظروف كل تاجر منهم، فمنهم من قلّت مبيعاته واضطر لتقليل عدد موظفيه، ومنهم من اضطر لإغلاق محله كحال خالد صبيح الهارب حالياً من التنفيذ القضائي بسبب الشيكات التي لم يسددها.

معاناة التجار
صبيح حاله حال تجار الألبسة، يقوم بشراء بضاعة موسم الصيف في شهر أيار، ويعتبر الصيف بالنسبة لهم هو الموسم الذي يربحون فيه، لوجود “المغتربين” ولما يتخلله أيضاً من عيدي الفطر والأضحى، قام بشراء بضائع بقيمة 80 ألف دينار بشيكات مؤجلة -كحال معظم التجار – “لو كنت أعلم أنه سيتم إغلاق الطريق أمام محلي لما اشتريت بهذه القيمة” يقول صبيح.
فتح لي محله وبدأ يجول فيه وهو يحبس دمعةً أن تنزل من عينه، قال: “تجار الجملة لا يقبلون إعادة البضائع المفتوحة، والسيدات لا يأتين لمنطقة صعب الوصول إليها وبها حفريات ولا يوجد إنارة بالشارع ليلاً…بعد سنتين ستكون هذه “موديلات” قديمة من سيشتريها؟”.
أما يوسف العسيلي، وهو صاحب قاعة للأفراح، كان لديه حجوزات لقاعته واستلم “العربون” من زبائنه قبل الحفر بأشهر، استغل هذه المبالغ في تجديد القاعة وتحسين تجهيزاتها قبل بداية الصيف، وحين بدأ الحفر أمام القاعة وأصبحت غير لائقة لإقامة أفراح بها بسبب صعوبة الوصول للمنطقة وانعدام وجود أماكن لاصطفاف السيارات، طالبه زبائنه باسترجاع المبالغ المدفوعة –وهي عبارة عن نصف قيمة الحفلة – ، يقول العسيلي: “كل ما دفعته على القاعة خسرته، إضافة لخسارة موسمين من العمل”.
تاجر آخر، بلال مسودة والذي يملك محلا للسجاد في المنطقة، قام بتغطية قدر كبير من البضاعة ليحميها من الغبار والأتربة، ورغم ذلك يعتبر نفسه أحسن حظا من جيرانه، فهو إضافة لمحله هذا، يملك محلاً للمفروشات في شارع الجامعة، يقول مسودة بحرقة وغضب: ماذا كان يضير الأمانة لو أبلغتنا قبلها بأشهر؟ لو كنا نعلم بالحفر لما بقينا ندفع إيجارات بدون أن نحصل على مدخول، أو على الأقل لما “نزلنا” بضائع بكميات كبيرة، نحن تجار إلا أن هناك منا من أصبح لا يستطيع إدخال “ربطة” خبز على بيته…كنا نسمع سابقاً أنهم سيقومون بإنشاء نفق وهذا أمر يستغرق 3-4 شهور عمل إلا أننا لاحقاً علمنا بحجم المشروع وأنه يعتبر من أكبر المشاريع التي مرت على المملكة خلال 30 عاما … هذا تقاطع كبير يمتد لحوالي 700 متر وعليه نشاط تجاري كبير يخدم منطقة حيوية ومزدحمة سكانياً فكيف يتجاهلون إعلامنا؟”، وشكا كذلك خلال حديثه من بطء العمل وضعف الآليات المستخدمة والتي لا تليق بحجم المشروع، وقال: “يعملون يومين أو ثلاثة في الأسبوع، طالبناهم بالعمل 24 ساعة في اليوم لتسريع الإنجاز إلا أنهم لم يستجيبوا”.
ما أصل الحكاية؟
توجهت إلى رئيس غرفة تجارة عمان السيد خليل الحاج توفيق، والذي أكد بدوره أن الجميع قد تفاجأ بموعد البدء بالمشروع وبحجمه كذلك، وأنه لم يكن هناك تنسيق مسبق مع التجار أو الغرفة، يقول: “بعد عيد الفطر مباشرة قامت الأمانة بإغلاقٍ كامل لمنطقة طارق وحصارها وهذه سابقة في تاريخ الأردن، صحيح أن الحفريات بدأت سابقا في منطقة الصويلح والجامعة ولكن لم يكن هناك إغلاق، أما الحال في طبربور فهو قطع أرزاق!”.
فهناك ضرر على أصحاب المحلات من تراجع المبيعات بشكل كبير وصل لدى البعض إلى 100%، إضافة لتضرر أصحاب المجمعات الذين خرج المستأجرون من عندهم، إضافة لذلك تضرر العاملين في تلك المحلات التجارية والذين تم إقالتهم نتيجة تراجع المبيعات او انعدامها، ما يعني تضرر أسر بأكملها.
تم تشكيل لجنة من التجار المتضررين لحصر الأضرار ورفع مطالبهم للأمانة، والتي من بينها أن يتم تزويدهم بمخططات المشروع كي يعرفوا وضع محلاتهم مستقبلاً بعد أن ينتهي المشروع، وهل يستحق الأمر أن يتحملوا عامين من الخسائر أم أن الأفضل لهم أن يخلوا محلاتهم من الآن؟ إلا أنه لغاية اللحظة لم يتم إجابة مطلبهم.
وأردف الحاج توفيق قائلاً: “نحن على قناعة أن هذا مشروعاً وطنياً ولكنه يجب ألا يكون على حساب المواطنين وقطع أرزاقهم”
أما آخر ما توصلت إليه الغرفة في مباحثاتها مع الأمانة، فهو أن الأمانة لن تقوم بدفع تعويضات مالية للتجار المتضررين -كما حصل مع تجار وسط البلد-وأن لهم أن يلجؤوا للقضاء إن شاؤوا.

رد الأمانة
حرصت على معرفة رد الأمانة على شكوى التجار، فحاولتُ كثيرا التواصل مع أمين عمان الدكتور يوسف الشواربة، فلم أتمكن، إلى أن استطعت أخيراً أخذ موعد للقاء المسؤول المساعد للأشغال المهندس نبيل الجريري، وحين علم أنني صحفية وعلم سبب اللقاء رفض التصوير بل وحتى مجرد التسجيل، وبعد أخذ ورد قبِل أن أجري المقابلة – بدون تسجيل-مع الناطق الإعلامي للأمانة السيد ناصر الرحامنة.
واجهت الرحامنة بشكاوى التجار ومطالبهم، فكانت ردوده مقتضبة جداً ومبهمة،
فعند سؤالي عن التعويض مقابل ما تعرضوا له من ضرر: “أنهم غير متضررين ولا تعويض لهم”.
طلبت منه إعطائي مخططاً توضيحياً للمشروع، فكانت إجابته أنه منشورٌ على المواقع الإلكترونية.
أما بخصوص موضوع تسريع العمل على المشروع، فكان رده أن الأمر بيد المقاول المنفذ والذي سيلتزم بالمواعيد المعلنة وهي نهاية عام 2020، تجنبا للغرامات التي ستترتب عليه في حال تأخر.
قائلا: “هو مشروع وطني يهدف لإيجاد حل للازدحام المروري في شوارع العاصمة عمان، بالتالي هو خدمة للوطن والمواطن، مكيّف ومجهّز لذوي الاحتياجات الخاصة، وتكلفة ركوبه مناسبة للجميع”.
نأسف لإزعاجكم…نعمل من أجلكم
تلك هي الشعارات التي ترفعها أمانة عمان خلال قيامها بأعمالها الإنشائية والتي من أبرزها مشروع الباص سريع التردد، والذي يعتبر واحداً من الحلول الرئيسية لتحسين النقل العام في مدينة عمان.
عمل كبير وجهود جبارة تبذل خدمة للمواطن، ما يدفعنا للسؤال: لماذا الإبهام في الرد من قبل الأمانة؟ وإن كان خدمةً للمواطن، أليس التاجر مواطن؟
