بين الأزقة والحارات ثمة قصة، قصة ترتسم فصولها بتقسيمٍ واحتكار لشوارع وأحياء سكنية عند عمالة وافدة تقر بها وتتحدث عنها، فمع بزوغ فجر كل صباح يستيقظ حسين فيقوم مسرعا بتجهيز نفسه، ويأخذ معه “عدة العمل”، والتي هي ببساطة جردل الماء والصابون، وينطلق إلى مهمته اليومية: تنظيف السيارات لسكان المنطقة، لا يثنيه عن ذلك برد قارس في الشتاء أو حرارة مرتفعة في الصيف، وعند انتهائه من غسل السيارة يقوم برفع “مساحات السيارة” كدليل منه أو شارة لمالك السيارة أنه قام بغسلها.
حسين الثلاثيني، قدم للأردن من مصر منذ عدة سنوات، واتخذ من غسل السيارات مهنة له، يقوم بعمله اليومي لقاء أجر شهري يختلف في مقداره بحسب نوع السيارة، فالسيارة الفارهة تختلف أجرة تنظيفها عن السيارة القديمة، وهو واحد من عمّال كُثر قدموا من مصر للأردن للعمل في مهنة غسيل السيارات.
المناطق والشوارع مقسمة بين أولئك العاملين بنظام خاص. يقول حسين: ” معروف انه هاي منطقتي أنا مثلا اشتريت فيها 20-30 سيارة شاريهم بمصاريّ ومش أي حد ييجي يشتغل بهاي المنطقة ولا يغسل فيها على كيفه عشان انا شاريها بفلوسي”.
أما عند اضطرار أحدهم للعودة إلى بلده فإنه يقوم ببيع أو تأجير المنطقة أو الشارع لعامل آخر، بسعر يتفاوت بحسب المنطقة وعدد السيارات فيها، يؤكد هذا الأمر سامر أبو حنان -وهو أيضا عامل يغسل السيارات-: ” أنا تضمنت الشوارع وهي بإسمي وأنا باخد شوارع على بعضها وببيع وبشتري وأموري طيبة”. بل إنه كذلك أصبح لديه خبرة في قيمة الشارع وما يستحق أن يدفع فيه من “خلو” وذلك بحسب المنطقة وعدد السيارات فيها وأنواعها.
هذا المشهد بات مألوفا في عمّان وعموم الأردن، أن ترى وافدا مصري الجنسية هو من يتولى غسل سيارات منطقة ما. وهو أمر مريح لمالك السيارة إذ يريحه من عناء التوجه لمحطة غسيل السيارات، ومن جهة ثانية هو اقتصادي أيضا إذ الكلفة عليه تكون أقل من كلفة الغسيل في المحطة.
إلا أن المشكلة والامر الغريب في قصتنا تكمن فيما لو أراد مالك السيارة تغيير العامل الذي يقوم بغسل سيارته لسبب ما، فحينها سيكون مضطرا لأن يوقف سيارته في منطقة ثانية، لأنه ببساطة لا يستطيع جلب العامل الآخر لمنطقته، وهذا ما حصل مع الأردني عيسى رشود والذي اكتشف أن المنطقة محصورة بعامل واحد ولم يستطع تغييره حين لم يعجبه عمله. وذلك ببساطة لأن هذا الأمر يتعارض مع القوانين التي رسمها هؤلاء العمال كنظام لهم في الأردن، وفيما إذا حاول أحدهم كسر هذا النظام فإنه يتعرض للتهديد من قبل الآخرين، يقول أبو حنان: “دا أنا بقطم رقبته، بخطفه خطف، بشله شل”!
حالة الاحتكار بين صفوف العمالة الوافدة تتلخص بسيطرتهم على أعمال لم تعد تحتمل القسمة على اثنين، كل سيارات المنطقة التي يقطنها الوافد، العامل بمهنة غسيل السيارات من حقه دون غيره، وهي حالة متجذرة منذ ما يزيد على عقدين.
توجهنا في حديثنا إلى المحلل الاقتصادي محمد أبو غوش والذي اعتبر أن ظاهرة غسيل السيارات والسيطرة على العمارات –حراس العمارات – تعتبران “من أكبر المافيات الموجودة في الأردن” حيث تباع كل سيارة وكل منطقة في الشارع لعامل ما ويستطيع أن يبيعها أو يؤجرها ويستفيد منها أو يضمنها إلى عامل آخر، بحيث لا يستطيع المواطن الأردني تغيير من سيغسل له سيارته في الشارع.
وأكد خلال حديثه، على الأثر الاقتصادي لهذه الظاهرة على الأردن، فالعامل الذي يغسل 200 سيارة في منطقته يجني ألف دينار شهريا، وإذا علمنا أن كثير من المناطق بها أضعاف هذا العدد، فهذا يعني أن مبالغ كبيرة يتم تحويلها للخارج رغم الوضع الاقتصادي المتردي الذي يعاني منه الشباب الأردني.
التقينا بأحمد سلامة وهو مفتش في وزارة العمل، والذي أكد خلال حديثه أن الوزارة تقوم بمحاولات كثيرة للحد من هذه التجاوزات من خلال كوادرها ومديرياتها وما تسنه من تشريعات، وقال خلال حديثه: “احتكار العمالة الوافدة للشوارع هو أمر غير قانوني ولا يخضع لأي رخص أو قوانين…فهم يدخلون البلاد بتصاريح زراعية وإنشائية ثم يتسربون إلى هذه الأسواق أو ما يُسمى بالشوارع واحتكار الشوارع”.
ووضح سلامة خلال حديثه دور الوزارة وجهودها في التخفيف من الظاهرة بسبب القوانين والتشريعات الجديدة القائمة على التخفيف من دخول العمالة الوافدة إضافة إلى تشديد العقوبات على المتهربين.
واعتبر أن ما يقوم به هؤلاء العمال يؤثر على أبناء الوطن ويزيد من نسبة البطالة بينهم والتي وصلت إلى 18,6% عام 2018، لأنهم “يحتكرون” عمل غسيل السيارات وحراسة العمارات وأعمال الحدائق.
إلا أن أبو حنان كان له رأي آخر، فبنظره أن الشاب الأردني لا يمكن أن يقوم بهذا العمل كالشاب المصري: ” ما بقدر أردني يقوم الساعة 6 الصبح يغسل سيارة لواحد طالع الساعة 7 الصبح على دوامه، الأردني إذا بدو يغسل سيارات يقوم الساعة 10 أو 11 الصبح، أما المصري في أي وقت تطلبه بتلاقيه موجود فوق راس العمل”.
ما قاله أبو حنان يتوافق إلى حد ما مع ما ورد في تقرير وزارة العمل الصادر عام 2018، والذي وصف العمالة الوافدة في الأردن بأنها عمالة تكميلية وليست إحلاليه، تقوم بسد النقص في سوق العمل وذلك في القطاعات التي لا يرغب الأردنيون العمل بها مثل الزراعة والإنشاءات والخدمات، حيث وصل عدد العاملين الحاصلين على تصاريح عمل إلى أكثر من 350 ألف عامل وافد، تمثل العمالة المصرية النسبة الأعلى بينها حيث وصلت لحوالي 54% من إجمالي العمالة الوافدة.
وبالعودة إلى أبو حنان، وحين سألناه عن موقفه في حال حاول شاب أردني القيام بغسل سيارات في شارع أو منطقة تعود له، قال إنه لن يسمح له لأنه ورث هذا الشارع أبا عن جد، فإما أن يدفع مالا لقاء إخلاء المنطقة له، أو أنه سيتواصل مع السلطات المعنية لإجباره على التخلي عن هذا الأمر!
ما طرح لدينا تساؤل، هل حقا أن ما يقوم به هؤلاء العمال يؤثر على أبناء الأردن وشبابه ويحرمهم من فرص عمل كانت ستؤول لهم؟ وهل قوانينهم التي أوجدوها باتت أقوى من أن يتم اختراقها أو تجاوزها؟ أم أن هؤلاء العمال يسدون ثغرة فيما يقومون به من أعمال بسبب عزوف الشباب الأردني عنها؟
