لجنة “مهندسون لأجل فلسطين والقدس”/ نقابة المهندسين الأردنيين
الحمام في المطبخ، والمطبخ في زاوية الغرفة الوحيدة، التي تأوي خمسة أطفال ووالديهم، السقف يبكي شتاءً، ويحترق صيفاً، واليشيفا (المدرسة الدينية اليهودية) المجاورة للمكان تحاول بشتى السبل ابتلاع الغرفة، وطرد ساكنيها، ويدور هذا الحوار:
⁃ اتفضل يا عم، كيف ممكن نساعدك.
⁃ بس بدي بدل هالستارة اللي حاطينها بنص الغرفة، تبنوا لنا جدار، تصير الغرفة تنتين.
⁃ بس هيك بطلعوا غرفتين صغار كتير!
⁃ دبرها يامهندس. الولاد كبروا، وبدي أفصلهم عن البنات، مش هيك الدين بحكي؟!
يجول المهندس بنظره في الغرفة الصغيرة، ثم يقول:
– عندي حل، راح نعمل سدة، ونغيّر محل الحمام حتى نفصله عن المطبخ، ونصلح السقف، وناخد شوي من المدخل. شو رأيك؟
⁃ يكتر خيركم، بس أديش بدها وأت؟
– مش كتير، شهرين زمان. ولازم تخلوا لنا البيت، عشان نشتغل.
يا الله! شهرين؟! بدك إياني أصحى الصبح، وافتح الباب، وما أشوف قبة الصخرة؟!
⁃ الله بعينكم.
يطرق الرجل، وكأن كل حزن العالم قد غمره،
ثم يعلو صوت بكاء الأطفال من وراء الستار.
تلك الحكاية لم تكن رواية يرويها أحد الكُتاب أصحاب الخيال الواسع، بل هي حكاية حقيقية حصلت في القدس، رواها المهندس محمد الشويكي المشرف على حملة “فلنشعل قناديل صمودها” الخاصة بترميم بيوت البلدة القديمة، المنتدب من قبل نقابة المهندسين الأردنيين/ لجنة مهندسون من أجل فلسطين والقدس.

فما هي تلك اللجنة؟ وما قصة الحملة؟
توجهتُ بسؤالي إلى مؤسس تلك اللجنة ورئيسها السابق المهندس بدر ناصر، فقال: ” فكرة الترميم بدأت عام 2009، بعد انطلاقة لجنة “مهندسون لأجل القدس وفلسطين” بعام في نقابة المهندسين الأردنيين، ففي ظل تزايد الاقتحامات الصهيونية للمسجد الأقصى والعمل المتسارع في تنفيذ التقسيم الزماني والمكاني، حرصنا في النقابة على الانتقال من المجال التثقيفي والمعرفي لعمل فعلي على الأرض داخل مدينة القدس نطبق فيه ونترجم ما نأخذه في الندوات والمهرجانات، ونجيب فيه على السؤال المطروح دائما: ماذا نستطيع أن نقدم لأهل القدس؟”.
كان الهمّ الرئيس لدى أعضاء اللجنة هو مساعدة المقدسيين على الصمود في بيوتهم في ظل المساعي الحثيثة لدى سلطات الاحتلال لتهجيرهم من منازلهم، يقول ناصر: ” خاصة لما كان في تلك الفترة من إغراءات مالية كبيرة لأهل القدس في دفع أموال لهم مقابل خروجهم من بيوتهم التي كانت تعاني من سوء في الوضع الصحي، فهي بيوت قديمة تعود للعهد العثماني –وبعضها للعهد الأيوبي -إضافة لسوء في الوضع الإنساني حيث يسكن تقريبا ثمانية أشخاص في 40 أو 50 متر”.
الانطلاقة بدأت عام 2009 بترميم منزلين فقط، تم خلالها تحسس الأمر الواقع والاحتياجات، ثم تم العمل على جعله مشروعاً مستداماً وليس “هبّة” عابرة، فقامت اللجنة على وضع قواعد ومعايير يتم على أساسها تحديد الأولويات في الترميم للعقارات التي تتفاوت بحسب قرب العقار من المسجد، أو أهميته التاريخية، أو مدى تهديد المستوطنين له، والحالة الاجتماعية وعدد السكان وغيره. يكمل ناصر: “هناك بيوت تعاني من انعدام التهوية فيها، فقمنا بعمل نظام تهوية لها، بيت آخر لم تكن تدخله أشعة الشمس تسكنه عائلة من خمسة أشخاص، فعملنا على توسعة البيت بطريقة تسمح بدخول أشعة الشمس، بيت كان مستودعاً مهملاً، حولناه لسكن لعائلة مكونة من خمسة أفراد. اشتغلنا كذلك نظام الأحواش الذي كانت المؤسسات الأخرى تتجنب الدخول فيه لما فيه من مشاكل وتعدد السكان داخله والحاجة لتفاهمات معهم وكلفته العالية. نحن ركزنا على هذه الاحواش التي تضم أربع أو خمس عائلات لأن لها أثر تاريخي وأثر إنساني كبير فخضنا التجربة رغم المشاكل العديدة التي واجهتنا مع دائرة الآثار الإسرائيلية”.
انطلق المشروع بشكل أكبر عام 2013، وتحولت الحملة من جمع محدود للأموال إلى حملة موجهة للشعب الأردني كله عبر الإذاعة المحلية حياة FM، جمعت خلالها 300 ألف دينار وتم ترميم 20 عقارا حينها. بعدها انطلقت حملات متتالية وازداد المبلغ المُتبرع به ليصل إلى ما يزيد عن المليون دينار أردني في بعض السنوات. ” ما استطعنا إنجازه حتى عام 2018 أكثر من 250 عقار، مدرستين، ثلاثة مشاريع بنية تحتية، استفاد منها أكثر من 1500 طالب مقدسي”.
الصعوبات التي واجهت أعضاء الحملة
تتمثل الصعوبات بحسب المهندس ناصر بعدة أمور، منها الكلف العالية، فبيت مساحته 40-50 م2 قد تصل تكاليف ترميمه إلى حوالي 100 ألف دينار، والسبب أن معظم المواد يتم إدخالها باليد “وبتراكتورات” صغيرة بسبب ضيق الطرقات التي لا تسمح بإدخال معدات ثقيلة.
الأمر الآخر “هو الاضطرار في بعض الأحيان لترميم المنزل مع وجود السكان فيه. يقول ناصر إنه كان هناك خوف من أن إخلاء السكان للمنازل أثناء ترميمها، قد يعرضها لمصادرة أو اقتحام من قبل المستوطنين، ولذلك كانت عملية الترميم تجري أثناء وجود السكان في البيوت، مما يزيد المدة الزمنية للترميم وكذلك الكلفة.
أما أشد الصعوبات بحسب المهندس محمد الشويكي من فرع النقابة في القدس فهي العمل تحت سلطة أمر واقع موجود وهو الاحتلال. يقول: “الإنشاء الهندسي والترميم يحتاجان إلى تراخيص –كما هو الحال في كل مكان -بالتالي كان الإسرائيليون يتدخلون في كثير من الأحيان ويحاولون عرقلة سير العمل، فتحصل مناوشات وإجراءات تضييقية خصوصا في بعض الأماكن الحفرية، فكثيرا ما يبحثون عن أي حُجةٍ للتدخل”.
عودة للبداية
بعد احتلال الجزء الشرقي من مدينة القدس عام 1967، عمد الاحتلال إلى السير بخطة ممنهجة للتضييق على الوجود العربي فيها تمهيداً لجعلها عاصمة له، فكان للفلسطيني فيها وضع خاص، فهو ليس كعرب 48 الذين يحملون الجواز الإسرائيلي، ولا كمواطني السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، بل أُعطوا بطاقة إقامة دائمة، والتي من شروط الحفاظ عليها أن يبقى الشخص مقيماً في القدس، فمثلا إذا سكن المقدسي في إحدى مدن الضفة لمدة خمس سنوات متواصلة فإنه يفقد حق الإقامة في القدس.
ومع تسارع الخطوات التي انتهجها الاحتلال في نهاية التسعينات لتهويد القدس، وبعد وعي المقدسيين بها، أصبح همّ المقدسي أن يثبت أن محور حياته هوفي هذه المدينة كي يحافظ على إقامته فيها. وإذا أخذنا بالاعتبار تزايد عدد السكان عبر الأجيال مع ثبات المساحة المسموح للسكن فيها –بالنسبة للعرب فقط-، أصبح المقدسي يبحث عن أي بقعة ورثها عن أجداده كي يسكنها ويعمرها، فبعضهم سكن في اسطبلات للخيول، وبعضهم في مطاحن، وهكذا.
يقول الشويكي: ” الغرفة أصبحت منزلاً لعائلة كبيرة كي تثبت سكنها في القدس وتحافظ على إقامتها فيها، أضف إلى ذلك أجور السكن المرتفعة جداً حيث تبلغ أجرة شقة مساحتها 50-60 م2 حوالي ألف دولار شهريا، إضافة إلى أن تكلفة الترميم عالية جداً هناك لا يقدر عليها المقدسي”. ويضيف: “الهدف من الحملة تحسين ظروف المعيشة للمقدسي الذي قرر بإرادته أن يعيش بهذه الظروف للحفاظ على هويته، وعلى مدينته من التهويد، نحن فقط نقوم بتحسين البنية التحتية لإعانته على ذلك”
:خاتمة
هذا الدور الذي قامت به نقابة المهندسين ينسجم مع أهدافها الكبرى في العمل المجتمعي المحلي، ومع دعم القضية الكبرى لأمتنا العربية قضية فلسطين. يقول الشويكي: “الحملة حققت أهدافاً أبعد من الترميم، ففي الأردن عملت على إعادة القضية كثقافة وتاريخ وسياسة، إضافة إلى أن المقدسي عندما يعلم أن مجتمعاً ما وليس نظاماً هو من يدعمه، فهذا يعزز صموده”.
ويقول المهندس ناصر: ” في الأردن كان هناك دعم من الشعب، ودعم من الجهات الرسمية التي سهلت لنا السبل، فموضوع القدس محل إجماع بين الحكومة وبين اللجنة القائمة على المشروع”.
