التعليم الإلكتروني في الأردن مابين العام والخاص

ما إن اقتربت عقارب الساعة من الثالثة، حتى أسرعت نور لتغادر مكان عملها إلى بيتها لتدريس أبنائها الثلاثة، فهاتفها المحمول أصبح وسيلة أبنائها الوحيدة في الحصول على شرح الدروس وتقديم الواجبات والامتحانات المدرسية.

بمجرد وصولها ذهبت لبيت جارتها وقامت بالتسجيل في منصة درسك -التي أطلقتها وزارة التربية والتعليم كمنصة للتعليم عن بعد لطلبة المدارس- وفتحها ومن ثم صعدت لبيتها لمتابعة دروس أبنائها وواجباتهم. “بضطر أنزل لعند جارتي حتى أفتح المنصة على التلفون لأنه عندها واي فاي، ما قدرت أشترك بالإنترنت لأنه غالي بدو يكلفني ٢٠ دينار كل شهر، أنا موظفة وتم خصم كثير من راتبي بعد الكورونا”. نور العوالي أم لثلاثة من الأبناء في المدارس اثنان منهم في المدارس الحكومية، أما الطفلة الصغيرة فهي في مدرسة خاصة “شو أعمل مضطرة! بندخلهم مدارس خاصة وهم صغار حتى يتأسسوا صح، في الحكومة ما في تأسيس”.

تصاعد التعليم الخاص في الأردن

قبل بداية العام الدراسي الحالي في خريف ٢٠٢٠، صرحت الحكومة الأردنية أن المنصات التعليمية الإلكترونية جاهزة لتقديم المحتوى التعليمي لطلاب المدارس في حال تفشى الوباء- كما هو متوقع عالميا-، قام على إثر ذلك ٥١ألف طالب بالانتقال من المدارس الخاصة إلى المدارس الحكومية بحسب تصريح الناطق الإعلامي باسم وزارة التربية والتعليم عبد الغفور القرعان، وهو انتقال غير مسبوق. السبب في ذلك بحسب القرعان يعود إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها معظم الأردنيين بسبب جائحة كورونا.

وبالنظر إلى الشكل البياني، يظهر بوضوح تراجع عدد طلبة المدارس الخاصة مقارنة بالحكومية، ليعود بالمنحنى إلى الوراء عشرين عاما أي للعام الدراسي ٢٠٠١-٢٠٠٢، بعد أن كان متصاعدا بثبات تقريبا.

الأمر الذي يدعو للتساؤل حول حجم قطاع التعليم الخاص في الأردن الذي تزايد عبر السنوات الماضية.

عام دراسي جديد

عبر استبيان تم توزيعه على عينة عشوائية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تبين أن ما يقارب ٣٠٪ فقط قاموا بالفعل بنقل أبنائهم من المدارس الخاصة للحكومية أو حاولوا ذلك ولم يستطيعوا.

وعند تحليل إجاباتهم تبين أن الأوضاع الاقتصادية الحالية وارتفاع أقساط المدارس الخاصة، كانت هي السبب في ذلك.

تقول إحدى الأمهات ممن لم تستطع نقل أبنائها لمدارس حكومية: “لا يوجد لدينا حواسيب لكل طالب أُرهقنا بأقساط الانترنت ولم يعد لدينا مال ننفقه على أولادنا، زوجي من عمال المياومة عمله تدهور جدا ولا نجد ما ندفعه على وسائل التكنولوجيا، لدي طالبة توجيهي ضاع مستقبلها عندما تنظر الى الاجهزة تتعب عيناها”.

أما عبير الزغول، وهي أم لأربعة من الأبناء جميعهم يدرسون في مدارس خاصة في العاصمة عمان، قالت إن التعليم الخاص أصبح يشكل عبئا ماديا كبيرا، إذ تشكل قيمة الأقساط المدرسية حوالي ٤٥٪ من دخل أسرتها. تقول عبير: “طالما التعليم عن بعد مارح ياخدوا غير المواد الأساسية، زيهم زي الحكومة، ليش أدفع على خدمة ما بحصلها؟…حاولت أنقل أولادي لمدرسة حكومية قبل بداية الدوام المدرسي، لكن ما قدرت، وقفوا النقل”.

في مقابل ذلك، نجد أن ضعف ذلك العدد- أي ما يقارب ٧٠٪ من العينة- قد أبقوا أبناءهم في المدارس الخاصة رغم ارتفاع نسبة ما يدفعه الأردني

من دخله على التعليم الخاص، إذ أن نصف العينة تقريبا ينفقون على تعليم أبنائهم مبالغ تصل إلى ثلث دخلهم. ورغم توقعهم للجوء للتعليم عن بعد لهذا العام أو على الأقل للفصل الدراسي الأول منه.

الفرق بين التعليم الخاص والعام في ظل التعلم عن بعد

بالعودة إلى السيدة العوالي، فهي ترى من خلال تجربتها الخاصة أن المدارس الخاصة كانت أفضل حالا من الحكومية حتى خلال التعلم عن بعد. تقول: “في منصة خاصة للمدرسة بكون في تفاعل مباشر بين المعلمات والطالبات، وأي إشي بنتي بيشكل عليها بتتواصل مع المعلمة على الواتساب وبتفهمها إياه….بس اللي بالحكومة..آااخ ما في تفاعل بالمرة”.

عددت العوالي الكثير من المشاكل التي يواجهها أبناؤها على منصة الوزارة، منها التقنية، كأن تواجه خللا في محاولة الدخول للمنصة، أو خلل في الفيديو التعليمي بأن يكون بدون صوت! “تخيلي تشوفي مسألة رياضيات تنحل أمامك بدون ما تسمعي المعلم شو بحكي!…أنا اضطريت أجيب معلمة خاصة لأولادي لأن الشرح عن بعد سيء”.

أما خليل وهو أب لطفل بالصف الخامس، فشكى من محاولاته العديدة لفتح المنصة بدون جدوى، ما اضطره للرجوع للمدرسة وإعطائه رقم تعريفي جديد بعد أن تبين لهم تكرار نفس الاسم على المنصة، “قالوا رح يرسبوا الولد لأنه ما حل أسئلة الامتحانات! مهي المشكلة من عندهم!”.

وبالرغم من أن وزير التربية والتعليم كان قد أصدر تعليمات لمعلمي الوزارة بعدم التواصل مع الطلبة عبر الواتساب والفيسبوك، إلا أن المعلمة إيناس أبو عيد خالفت هذا الأمر قائلة: “وين التفاعل بين الطالب والمعلم؟ أنا بدرس توجيهي وأول ثانوي وثامن وعاملة لكل صف جروب على الفيسبوك وبتابع معهم يوميا…إذا تعاقبت على مخالفتي فهذا بكون وسام شرف على صدري”. فهي تعتبر أن عملها كمدرسة هو رسالة سامية وليس مجرد وظيفة.

تحولات اجتماعية واقتصادية

“النقطة الفاصلة كانت في السبعينات” يقول الدكتور في الأنثروبولوجيا الاجتماعية عبد الحكيم الحسبان أن هناك تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية أثرت على الأردن والمنطقة أدت لحدوث تغيرات على قطاع التعليم في الأردن، والتي من أهمها ارتفاع سعر النفط في السبعينات من ٣دولار إلى ٧٠ دولار للبرميل، الأمر الذي وفر سيولة كبيرة لدول الخليج العربي، وبالتالي بدأ الطلب يتزايد على الأيدي العاملة الأردنية.

ويضيف الحسبان بأنه في الاقتصاديات الفلاحية والبدوية لم يكن التعليم في منطقة شرق الأردن يشكل آلية أو وسيلة للصعود في السلم الاجتماعي، إلا أن الابتعاث والتعليم أدى إلى تغيير المستوى المعيشي، فأصبح التعليم وسيلة للحراك الاجتماعي وبدأ التوسع في قطاع التعليم الحكومي، حيث استثمرت الدولة بالتعليم المدرسي والجامعي، وانتشرت الجامعات الحكومية والمدارس الحكومية في أرجاء المملكة. يقول الحسبان:” هذه التحولات جعلت التعليم في ذهن الأردني “كدين” أو أيديولوجيا لديه، مستعد أن يقتطع من قوت يومه في سبيل تعليم أبنائه”.

أما التعليم الخاص المدرسي، فكان بدايةً محدود جدا ومتعلق فقط بالبعثات التبشيرية، ثم بدأ في التنامي تدريجيا، إلا أنه مع هبوط سعر الدينار الأردني عام ١٩٨٩، وعودة آلاف الأردنيين من الكويت بعد الغزو العراقي عام ١٩٩٠، بدأت المطالبات بالتوجه للتعليم الخاص لاستيعاب الأعداد الكبيرة. يقول الحسبان: “المواطن اعتبر أن أفضل استثمار في الأبناء هو التعليم، بالمقابل قل إنفاق الدولة على التعليم، المدارس الخاصة لم تعد مدارس بقدر ما هي دكاكين لجمع الأرباح، لكن في المقابل البديل مدارس حكومية مكدسة بالطلاب، وبنية تحتية مترهلة، والأردني أصبح صدره عارياً بمواجهة هذه التكتلات”.