هو، ممرض شاب يعمل في مستشفى الأمير حمزة، مضطر للتعامل المباشر مع المرضى المصابين بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، ولا يستطيع التخلي عن دوره، يقوم بكافة إجراءات السلامة قبل دخوله لحجرة أي مريض، فيلبس كمامته ويضع القفازات ويحيط جسده بملابس خاصة فيصبح كرائد فضاء، وحين يخرج من حجرة المريض يتخلص من كل تلك الثياب ويستبدلها بغيرها قبل دخوله حجرة مريض آخر. ينتابه بين الحين والآخر قلق من أنه ربما لمس قلماً ملوثاً أو أمسك بمقبض باب بالخطأ فيبادر مسرعاً ليغسل يديه بالصابون، ويعود متسائلاً ربما هذا غير كافٍ فيسرع إلى المعقمات والمطهرات وهلم جراً. ضغطٌ نفسيٌ هائل يتعرض له صباحَ مساء، إلى أن امتدت إليه يدٌ حانيةٌ تقول له: “انت مش لحالك إحنا معك”.
هي، سيدة تقطن في منطقة وادي موسى في البتراء، تعاني من اكتئابِ ما بعد الولادة، زاده سوءًا اكتئاب حجرٍ ومنعٍ للتجوال، ما أثر سلباً على علاقتها بأهلها وزوجها، سكنها البعيد وقوانين حظر التجول منعاها من القدرة على زيارة المراكز المتخصصة، فوجدت من يقول لها: “انت مش لحالك احنا معك”.
هو، يعمل في مجال الإعلام الذي يعتبر من المهام القليلة التي تتطلب وجود العاملين على رأس عملهم في ظل الجائحة التي يمر بها العالم، يفتتح نهاره ويختتمه في متابعة أخبار الفايروس، عدد الوفيات، عدد الإصابات، تقارير من هنا ومقالات من هناك، نفق مظلم والمشهد ضبابيّ ولا شيء واضح في الأفق.
يعود إلى بيته مشتاقاً لأسرته ولأطفاله الثلاثة الذين لا يتجاوز أكبرهم الثامنة من عمره، يقفز على ظهره أحدهم ويجلس على ركبتيه الآخر. وهو يتساءل في نفسه: “لربما أكون قد أُصبت بالفايروس ولم تظهر عليّ الأعراض بعد، لربما نقلته إلى أطفالي من حيث لا أدري!”. فيبتعد عنهم رغم شوقه الأبويّ لهم، قلق مستمر وخوف على صغاره ينتابه، إلى أن وجد من يأخذ بيده ويقول له: “انت مش لحالك إحنا معك”.
منحة في ثنايا المحنة
لأنهم أطباء نفس، تلمّسوا فقدان المجتمع -في ظل جائحة الكورونا وما يتطلبه مقاومة انتشارها من فرض عزلةٍ اجتماعيةٍ -لحاجة أساسية من حاجيات المجتمع الإنساني، لا تقل في أهميتها عن حاجة الجسد للغذاء السليم، أو للدواء الملائم، إنها حاجة النفس للتواصل الاجتماعي مع الأحبة، والشعور بالأمن والاستقرار النفسي. فكانت انطلاقة “انت مش لحالك احنا معك”، وهي مبادرة للمساعدة في التعامل مع الضغط النفسي والتوتر والقلق والخوف الناتج بسبب أزمة كورونا لدى المواطنين بشكل عام في المملكة الاردنية الهاشمية. أطلقتها وزارة الصحة وجمعية الأطباء النفسيين الأردنية والهيئة الطبية الدولية، شارك فيها أكثر من 45 طبيباً نفسياً، بالإضافة إلى 23 من المعالجين النفسيين.
بحسب الدكتور أحمد دبور وهو أحد الأطباء المتطوعين في الحملة، فإن المبادرة استطاعت تقديم الدعم النفسي لحوالي 200 شخص خلال الشهر الأول من انطلاقها في منتصف آذار.
تقول مؤسِسة المبادرة الدكتورة نور السعايدة: “إن القائمين على المبادرة أعلنوا عن تفعيل خطٍ ساخن يعمل على مدار الساعة، وبالمناوبة وعلى ثلاث فترات، لتقديم خدمات الاستشارات النفسية والإجابة عن أيّة استفسارات تخص الدعم النفسي والاجتماعي وإقامة جلسات دعم نفسي فردي “اون لاين” باستخدام الهاتف والتطبيقات الذكية عبر برامج الاتصال البصرية مثل “سكايب” أو “إيمو”. حيث يرد لكل طبيب ما بين اتصالين إلى خمسة يومياً. ” تستمر المكالمة حوالي 40-50 دقيقة، ونعيد التواصل مع الشخص في حال لزم الأمر” يقول دبور.
الفئة والخدمة
المبادرة موجهة لكافة الشرائح في المجتمع ولكل من يشعر أنه بحاجة للمساعدة: كالأشخاص داخل الحجر الصحي في الفنادق والمنازل والمستشفيات، والمتواجدون في العزل أيضاً ممن يتلقون العلاج وكبار السن وذوي الإعاقة. إضافة لمقدمي الرعاية الطبية كالأطباء والممرضين الذين يتعرضون للتوتر والقلق الدائمين والخوف من الإصابة والارهاق بسبب ساعات العمل الطويلة.
تقول السعايدة: “هنالك أشخاص يعانون من الخوف من الإصابة بالفايروس أو الخوف من الحجر الصحي أو العزل أو الموت من المرض، وأحياناً الخوف من عدم الحصول على المستلزمات الضرورية والأساسية مثل مواد التموين والأدوية، فالمبادرة تستهدف الحماية من هذه المخاوف”.
وتعتمد المبادرة على تعزيز الثقة بالنفس وتقنيات الرعاية الذاتية مثل الاسترخاء التنفسي وغيرها من الممارسات الشائعة، وبث رسائل توضح أن الخوف والقلق أمر طبيعي لا ينقص من رجولة الرجل ولا يقدح بإيمانه، وأن هناك طرقاً عدة يتمكن من خلالها الأشخاص من دعم بعضهم البعض.
كما تقدم المبادرة، معلومات واضحة وموجزة عن فايروس كورونا بما في ذلك التوعية وطرق الوقاية وطرق الوصول الى المساعدة (حسب تعليمات وزارة الصحة)، بالإضافة إلى نصائح للتعامل مع الأطفال خلال فترة الحجر الصحي.
أخصائي نفسي
بسبب تفاوت أحوال المحتاجون للدعم النفسي تتفاوت الخدمات المقدمة لهم. تقول الأخصائية النفسية ملاك حبيب: “دورنا يكمن في فهم المشكلة والأعراض المصاحبة، مثل قلة النوم أو مشاعر القلق والخوف من المرض، ومن ثم نقوم بتقديم حلول لهم”.
إلا أن حبيب أضافت أن هناك بعض الحالات التي وردتهم كانت في مراحل متقدمة عن مجرد الحاجة للتثقيف النفسي، الأمر الذي استدعى منهم تحويلها إلى الأطباء النفسيين لصرف العلاج المجاني المناسب للحالة.
يقول دبور: “يتم توزيع الحالات المحتاجة للعلاج بالدواء على الأطباء حسب مناطق سكناهم حتى يتيسر لنا توصيل العلاج في ظل الحجر المفروض”.
نجاح المبادرة
في مجتمعاتنا الشرقية التي لم تعتد بعد -بشكل كاف -على تقبل فكرة أن النفس قد يصيبها العلل أحيانا كما الجسد، فإن السرية والمحافظة على خصوصية الشخص المتصل كانت عاملاً مشجعاً لكثير ممن لم يستعن مسبقاً بطبيبٍ أو معالجٍ نفسيّ. تقول حبيب: “البعض كان أكثر انفتاحا بسبب السرية التامة التي حظي بها عبر التواصل عن طريق الهاتف بدلاً من التواجد في العيادة الذي يسبب الحرج لهم”. إضافة إلى أن المبادرة سهّلت التواصل للقاطنين في مناطق لا تتوافر فيها عياداتٍ للطب النفسي.
