مقابلة مع هديل سكجها وهي مدربة مهارات مالية أنشأت مؤسسة إيسار للوعي المالي للأطفال واليافعين
إعداد: فاتن خضر
لطالما شعرت هديل بأنها مكبّلة خلال السنوات العشر التي أمضتها في السعودية بعد زواجها، فرغم حياتها المريحة هناك ورغم انشغالها بتنشئة أطفالها الثلاثة، إلا أنها كانت تحمل في داخلها كثيراً من الطاقة والطموح لعمل شيء ما على نطاقٍ أوسع من دائرة الأمومة والحياة الأسرية على أهميتها.
التقيت بهديل في ظل الحظر الذي تفرضه المملكة الأردنية الهاشمية على مواطنيها لحمايتهم من تفشي وباء كورونا الذي غزا العالم، وبالطبع لم أخرق القوانين المفروضة فلقاؤنا كان حيث تجلس كل منا في بيتها في العاصمة عمّان عبر تطبيق “سكايب” الذي قرب المسافة، فكل الشكر والامتنان لأصحاب الاختراعات والسبق التكنولوجي الذي جعل العالم الرحب كأنه قرية صغيرة.

سلاح ذو حدين
هذا التطور التقني المذهل، وهذا الانفتاح على العالم والتطور في وسائل التواصل، وما رافقها من تغير في طرق التسوق ووسائل الدفع تبعته تغيرات هائلة في سلوكنا الاستهلاكي وفي نظرتنا للمال، فانعكس ذلك على المجتمعات كافة ومنها بالطبع مجتمعاتنا العربية الشرقية.
وبالنسبة لهديل لمست أثر ذلك على أطفالها الذين نشأوا في دولة خليجية ووسط محيط يرى في الكماليات حاجيات أساسية. وكطبيعة الأطفال يقلدون أقرانهم في المدرسة. تقول هديل: “إن إصرار طفلك وبكاؤه على لعبة لا تناسب ميزانيتك، ومقارنة نفسه بأصدقائه في كل ما يقتنون، وإنفاق مصروفه الأسبوعي كاملا في أول يومين، إضافة إلى التركيز على الاسم التجاري بدلاً من النوعية أو الميزانية المتاحة، كل ذلك دفعني إلى التركيز على توجيه السلوك لدى أبنائي والعمل على بناء المهارات المالية لديهم”.
نقلة نوعية
رغم بدء هديل العمل على تصحيح الوعي المالي لدى أطفالها مذ كانوا في الغربة، إلا أن قرار الأسرة العودة إلى أرض الوطن كان له أثر كبير على التنبه إلى ضرورة العمل الجاد والحازم لهذه المسألة، وهو ما جعلها تخطو خطوات أوسع وعلى وتيرة أسرع لتشرح لأطفالها أساسيات التعامل مع الموارد المالية، وهو ما اعتبرته تربية سلوكية.
ما ساعدها على ذلك هو خلفيتها العلمية والثقافية، فهديل سكجها خريجة إدارة أعمال من جامعة اليرموك في الأردن، وكانت قد عملت كاتبة محتوى لدى مؤسسات تُعنى بالشأن الاقتصادي، الأمر الذي ساعدها على التفكير بنقل ما تعلمته وما اكتسبته من خبرات إلى الآخرين.
إيسار
إذاً من وحي التجربة الخاصة، نشأت فكرة “إيسار”، وهي برنامج تدريبي للأطفال واليافعين يعمل على تنمية الوعي المالي أو حسن الإدارة للمال الذي بحوزة الطفل، سواءً كان مصروفه الأسبوعي أو ما يجنيه الطفل من عيديات الأقارب له في الأعياد والمناسبات الاجتماعية المختلفة.
ورغم استهجان من هم حولها بالفكرة بادئ الأمر، إلا أن دعم زوجها لها ساعدها على تحويل أفكارها وما تكوّن لديها من خبرات سابقة إلى مشروع عملي على أرض الواقع. من خلال ورشات تدريبية للأطفال، تعتمد مبدأ التسلية والمشاركة والتفاعل من الأطفال ومن ذويهم كلاًّ على حدة.
التدريب العملي يكون من خلال أخذ الأطفال في زياراتٍ ميدانيةٍ إلى بعض البنوك، يطلعون خلالها على آلة عدّ النقود، ويتعرفون بشكل مبسط على نظام التعامل بالبطاقات الائتمانية وأجهزة الإنذار وغيرها. إضافة لرحلات إلى بعض مراكز التسوق، يتم خلالها توزيع الأطفال على مجموعات، وعمل مسابقات بينهم تهدف إلى تعليمهم مهارة اتخاذ القرار “الشرائي” والمقارنة بين المنتجات من ناحية الجودة والسعر مقابل ما يملكونه من ميزانية ومدى حاجتهم للمنتج.
يتعلم الطفل خلال الورشة معنى الإيداع ومعنى أن يكون للفرد مبلغ من المال يزداد بالتوفير المستمر ما يفتح له مجالات أكبر في الخيارات المتاحة حين الحاجة. تقول هديل: “تعلم الأطفال أن من يكون بحوزته مبلغ 20 ديناراً تكون خياراته عند شراء لعبة ما أقل ممن بحوزته 100 دينار على سبيل المثال…ومن خلال زيارة مراكز التسوق، تعلم الأطفال بشكل عمليّ المقارنة بين المنتجات المعروضة، وكذلك التفريق بين الحاجات الأساسية التي لا يمكن التنازل عنها وبين الرغبات غير الضرورية والتي يمكن تأجيلها أو حتى التخلي عنها”.
تجربتها الريادية تلك، نمت شيئاً فشيئاً بعمل دؤوب وجهد متواصل، إلى أن كبرت ولاقت صدىً واسعاً لدى عدد من الجهات، فتفاعل معها بعض البنوك وطلبوا منها عقد بعض الورش التدريبية تحت رعايتهم، وتمت استضافتها في بعض القنوات التلفزيونية لتقديم فقرات عن الوعي المالي والإنفاق الذكي، وكذلك قام عدد من المراكز الصيفية والمدارس بالطلب إليها أن تقيم بعض الورش التدريبية في مقارّهم لتعليم الطلاب تلك المهارة.
فالموضوع -بحسب هديل -يتعلق بالتربية قبل أن يكون متعلقاً بالمال، إنه يلامس مبدأ القناعة والرضى لدى الطفل بالتعايش مع ما لديه من موارد وإمكانيات في زمن نعاني فيه من كثرة الإغراءات والتي تؤدي إلى عدم التفريق بين ما هو رغبة وبين ما هو أمر أساسي يحتاجه الفرد منا، وهذا الأمر يكبر ويزداد في ظل العولمة التي نعيشها، حتى بات الكثير منا يعيش عيش الأغنياء رغم أنه في الواقع قد يكون مديوناً.
خطط مستقبلية
تؤكد هديل على أن مشروعها قائم على التربية المالية والإنفاق الذكي الواعي والمدروس والذي يخص كل شرائح المجتمع، الأمر الذي دفعها في ظل الحجر المنزلي حالياً إلى التخطيط لتوسيع الفئات المستهدفة وزيادة أعدادها، فهي حاليا تعمل على إعداد برامج تناسب فئتي الشباب والأمهات، بعد نجاحها في تدريب الأطفال واليافعين من عمر خمس سنوات إلى 16 عاماً.
لماذا “إيسار”؟
لأنه الاغتناء والسَعة والثراء الذي يتحقق للفرد الذي يستطيع التحكم برغباته ويوازن بين حاجياته وبين ما هو ضمن إمكانياته، فكم من متوسط الدخل عاش سعيداً راضياً بحاله بسبب حسن تدبيره، وكم من ثريٍ بسبب سوء إدارته لماله عانى ضيقاً في صدره وربما لحقه إعسارٌ.
