قضايا الشارع…بريشة ساخرة

يتفاعل رسام الكاريكاتير مع ما يدور حوله من قضايا سياسية واجتماعية فيسقط ذلك في رسوماته والتي يتلقفها الناس فيتفاعلون بدورهم معها

” لا أعرف متى تعرفت على ناجي العلي، ولا متى أصبحت رسومه ملازمة لقهوتي الصباحية الأولى، ولكنني أعرف أنه جعلني أبدأ قراءة الجريدة من صفحتها الأخيرة. كنت أكتب، وكان يرسم…”

هذا بعض مما قاله الشاعر محمود درويش في رثائه لصديقه ناجي العلي، كلمات قليلة اختزل فيها الكثير من المعاني.

كنت أكتب، وكان يرسم…

 تأثر كلٌ من العلي ودرويش بالأحداث من حوله، فحملا همّ القضية الفلسطينية ونكباتها المتتالية، وكلاهما عبّر عن ألم شعب بأكمله بطريقته الخاصة، فكان الشاعر يكتب فيقرأ أشعاره القارئ دون الأميّ، وكان رسام الكاريكاتير يرسم صورة تتكلم بكل لغات العالم يفهمها المتعلم ومن لم يخط بقلمه.

من مهرجان الكاريكاتير\ تصوير فاتن خضر

تعد القصيدة ورسم الكاريكاتير وسيلتان من وسائل التعبير عن الواقع، وجزء من حقول الإبداع المهمّة والمتعددة –كالتمثيل وكتابة المقال والرسم التشكيلي وغيرها-والتي تشتبك بالخطاب السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي السائد فتقاومه أو تعززه. فرسام الكاريكاتير بصفته إنساناً يعيش في مجتمعه يكتسب من ثقافته ويتأثر بما يدور فيه من مشاكل اجتماعية وقضايا سياسية، ليعكس ذلك في فنه سخرية لاذعة تسخر من الواقع المؤلم. وكما قال فنان الكاريكاتير الأردني بشير مريش: “الفن التشكيلي يعكس القضايا بمشاعر وسطية أو حزينة أما الكاريكاتير فهو يتناولها بطريقة ساخرة توصل الفكرة مباشرة وتلامس مكامن الغضب في قلوب الناس”.

أو كما قالت النائب الأردنية ديما طهبوب: “هو رسالة سريعة بسيطة تلامس كبد الواقع والحقيقة باختزال وهذا سر قوته “.

أو هي أشد من ذلك في البلاد العربية ” هي سخرية المكبوت، فكلما زادت أوجاع الناس زادت السخرية” بحسب قول الفنان عماد حجاج.

من مهرجان الكاريكاتير\تصوير فاتن خضر

وهذا ما أدى إلى تلقف الناس لتلك الرسوم، بدءًا من قراءة الجريدة من صفحتها الأخيرة كحال شاعرنا درويش، انتهاءً بنشر الرسومات على مواقع التواصل الاجتماعي وما يتبعها من تفاعل الناس معها والتعليق عليها كحال واقعنا الحالي.

على خُطى حنظلة…

كثير من فناني الكاريكاتير الأردنيين تأثر بأسلوب أيقونة الكاريكاتير العربي ناجي العلي الذي كان يوقّع رسوماته بشخصية حنظلة، فعمد البعض منهم إلى خلق شخصية رمزية في رسوماته، تتحدث بلسان المواطن البسيط، تنقل همومه ومشاكله وتتنفس معاناته اليومية، وربما أفراحه، تقول للناس: أنا منكم وإليكم.

فابتكر حجاج شخصية أبو محجوب بعينيه الجاحظتين وذقنه الطويل وشماغه الأحمر، ولشدة قرب أبو محجوب من الشارع الأردني بشكله ومواقفه، شعر الممثل الأردني زهير النوباني بأنه يتحرك وينطق، وهذا ما دفعه لأن يقترح تحويله إلى مسلسل تلفزيوني ناطق، وهذا ما تم بالفعل.

إحدى اللوحات المعروضة في مهرجان الكاريكاتير في قصر الثقافة الملكي في الأردن\ تصوير فاتن خضر

وكذلك ابتكر رسام الكاريكاتير الأردني عمر العبد اللات شخصية الشارع “عوض أبو شفة” وشخصية “الزعيم”. التي يصفها: “هو دكتاتور يعكس فكرة القيادة في العالم العربي… حين رسمت رسمة الزعيم المستبد شعرت أنه من خلالها أريد أن أسخر من مفهوم القيادة وكيف أننا نربي أولادنا أن يكونوا تابعين لنا بدلاً من أن نربيهم على القيادة… أما المعلم سحس فهو شخصية الشارع بأسلوب ساخر فهو ضحية القمع يتكلم بصوت الشارع من نبض الشارع وهمّ الشارع”.

بين رقابتين…

يعتبر فنانو الكاريكاتير أن توعية مجتمعاتهم على مكامن الخطأ إنما هو واجب عليهم. يقول العبد اللات: “الرسام دوره أن يساهم بتسليط الضوء على الأخطاء الموجودة في المجتمع، وهو متمرد بشكل إيجابي في طرح هذه القضايا، وإذا سكت الناس عن حقوقهم فهو يقوم بتوعيتهم”.

أما النوباني فهو يعتبر أن رسام الكاريكاتير: “مصلح اجتماعي” يحمل على عاتقه همّ توعية الناس.

إلا أن تلك التوعية الساخرة كثيرا ما سببت أرقاً للسلطات المستبدة ولأصحاب المصالح، فأدت في أحسن الأحوال إلى التضييق على الفنان عبر الضغط على المؤسسة الإعلامية أو الصحيفة التي ينشر بها رسوماته، كما حصل مع حجاج حين أوقفته صحيفة الرأي عن العمل، وفي أسوأ الأحوال أدت إلى تعريض حياة الفنان للخطر أو للقتل أحياناً كما حصل مع الفنان السوري علي فرزات أو ناجي العلي.

تحدث مريش عن أثر انتشار مواقع التواصل الاجتماعي وما زامنها من ثورات الربيع العربي، حيث ارتفع سقف الحريات في العالم العربي، فتخلص فنانو الكاريكاتير من الرقابة التقليدية التي لطالما كانت عائقاً أمامهم، وباتوا ينشرون عبر الفضاء الإلكتروني ما مُنعوا من نشره سابقاً. أضف إلى ذلك أن تلك المواقع ساهمت بشكل كبير في انتشار أعمالهم عبر العالم كما حدث مع رسام الكاريكاتير الأردني محمود الرفاعي حين رسم كاريكاتيراً بعد انتهاء المباراة النهائية لكأس العالم في العام 2018 والتي فازت بها فرنسا، يُظهر فيه مدى دور اللاعبين من أصول مهجرة في وصول فرنسا لكأس العالم حسب رأيه، ونشره على صفحته على الفيس بوك فكان له صدىً كبيراً فاق توقعاته. يقول الرفاعي: ” لقد عبرت الرسمة القارات خلال ساعات قليلة هذا أمر خطير”. ورغم هذه الإيجابيات للعالم الافتراضي التي أتاحت مساحة للفنانين في الحرية ونشر موادهم ورسائلهم، إلا أنهم تفاجؤوا بوجود رقابة جديدة في هذا العالم تتمثل بالمشاهد نفسه، والذي تحول إلى سلطة يقبل ويرفض ما يشاهد حسب مفهومه الخاص. فرسومهم الرمزية يستقبلها الناس بمستويات فهمهم المتعددة، فتتباين ردود أفعالهم على بعضٍ منها، ويثار جدل حولها، ونذكر مثالاً عليه ما حصل مؤخراً مع رسم الفنان الأردني حمزة حجاج الذي نُشر في صحيفة الغد الأردنية في 12 يناير 2020، حيث وصفه العديد من المعلقين بـ”العنصري” ويظهر في الكاريكاتير شخصان يشربان من “علبة” (الاقتصاد الوطني)، أحدهما متضخم وهو العمالة الوافدة، والآخر ضعيف وهم عمال الأردن، فرأى المتابعون أن الرسم يمثل: “رسالة كراهية” للعمالة الوافدة.


نقلا عن موقع صحيفة الغد

الأمر الذي اضطر الصحيفة إلى تقديم توضيح حول الأمر. وهو: “أن القصد منه كان لفت النظر إلى حجم الحاجة لتأهيل العمالة المحلية وتدريبها ورفع كفاءتها، بصورة ترقى بمستواها لمنافسة العاملة الوافدة، إذا أردنا فعلا مواجهة البطالة والحد منها، وفتح مجالات أوسع لتشغيل الأردنيين”.

خطوط حمراء…

يرى مريش أن الرسام وإن تحرر نوعا ما من رقابة الأجهزة الأمنية المحلية، إلا أنه “دخل بوتقة عالمية أسوأ”، مفسراً ذلك بأن الرسام في حال وصلت شهرته للعالمية ونشر ما يفضح الممارسات الصهيونية أو ما يعتبرونه من المحرمات التي لا يجوز المساس بها–كالهولوكوست وغيره -فإن تلك المواقع كالفيس بوك وتويتر وأنستاغرام تقوم بحجب رسومه أو البلاغ عن صفحته، وما ذلك إلا لأنها مملوكة لجهات موالية للكيان الصهيوني حسب قوله.

أما العبد اللات فيرى أن الفنان الذكي يستطيع تجاوز كل الخطوط الحمراء إن شاء، ما عدا الخطوط الحمراء التي يضعها الفنان لنفسه فلا يتجاوزها وإن سُنحت له الفرصة، أما عن خطوطه هو: ” هي أي شيء يحرض على الكراهية ويؤدي إلى شقاق في المجتمع أو مقتل أحدهم أو تحريض على كراهية شخص ما، أنا انتقد السلوك والفكر وليس الأشخاص أو الفئات المجتمعية”.