فيلم وثائقي يروي قصة الجدل الدائر حول النقابات الأمنية في تونس بعد الثورة، يسعدني أن كنت ضمن فريق العمل في إنتاجه.
عاش التونسيون عقودا تحت سطوة دولة بوليسية تلاحق المعارضين عبر قبضتها الأمنية، واليوم، وبعد عشر سنوات من الثورة تطل الدولة البوليسية بثوب جديد اسمه النقابات الأمنية والتي لا تأتمر بأمر القيادة السياسية. فما هي تلك النقابات؟ وكيف أثرت على مشهد الحريات في تونس؟
هناك جدل سياسي وحقوقي يدور في المشهد التونسي حول موضوع النقابات الأمنية وما تقوم به من ممارسات قمعية تجاه النشطاء والمتظاهرين بل وحتى تجاه السلطات الثلاث.
منذ بداية تشكيلهم لنقاباتهم عقب الثورة التونسية، أعلنت القيادات النقابية الأمنية أن دورهم سيقتصر على الدفاع عن الحقوق المهنية والاجتماعية لرجال الأمن، لكن مع مرور الوقت حادت هذه النقابات، خاصة قياداتها، عن أهدافها ودورها المهني لتدخل أتون السياسة وتنخرط في الصراع السياسي الدائر في البلاد عبر اتخاذها لبعض المواقف التي اعتبرت “سياسية”، حسب العديد من المتابعين، ولا شأن لها بالعمل النقابي الذي أسست من أجله هذه النقابات.
من خلال العودة لعدد من أبرز الحوادث التي أدت لتصاعد الجدل حول تلك النقابات، حيث اعتبرها بعض الحقوقيين منخرطة في التجاذبات السياسية في الوقت الذي يفترض أن تكون محايدة وفي خدمة المواطن، وذلك من خلال روايات أصحاب القصص أنفسهم مع وجود بعض اللقطات المصورة التي تثبت مظاهر العنف التي واجهت بها تلك القوات المتظاهرين.
ففي آب ٢٠٢٠ تقدمت محامية بشكوى قضائية ضد مدير مركز أمني، بعد احتجازها وتعنيفها. ويوم المُحاكمة، اقتحم عشرات الأمنيين المسلحين مقر المحكمة الابتدائية بن عروس للضغط على قاضي التحقيق ودفعه إلى الإفراج عن زميلهم. مشهد وصفه مراقبون بالاستقواء على الدولة، وتغوّل النقابات الأمنية القادرة على اقتحام مؤسسة عدلية واشهار الأسلحة في وجوه المُحامين الذين عُنفت زميلتهم وسُحلت في “مركز أمن”. هذه الحادثة المخيفة لم تكن الأولى.
بالعودة لحوادث سابقة استخدمت فيها النقابات الأمنية قوتها المفرطة لتفريق وقفات سلمية، كما حصل مع هيكل الراشدي الذي توفي إثر إصابته بعبوة غاز استهدفت رأسه. ونور الدين العبيدي الذي يروي لنا كيف توفي ابنه عمر الذي كان متواجدا خلال مناوشات حصلت بين مشجعي فريقين لكرة القدم بعد انتهاء المباراة في العام ٢٠١٨، حيث لاحقتهم قوات الأمن باستخدام الغاز والعصي الكهربائية إلى أن وصلوا للوادي، وحين أخبرهم عمر أنه لا يعرف السباحة كان جوابهم “تعلم عوم“، فقضى غرقا!
ورغم وجود مقاطع مصورة للحادث، ورغم أن تقرير الطب الشرعي أثبت تعرض الشاب للضرب والاعتداء قبل السقوط في الوادي، لكن قاضي التحقيق لم يصدر حكما. روايات كثيرة توضح كيف بدأ العمل النقابي الأمني بتجاوز دوره ليبدأ بالتأثير السلبي على مسار العدالة.
تعود نشأة تلك النقابات إلى الفترة التي تلت الثورة التونسية حين سعت كل القطاعات إلى ضمان أكبر ما يمكن من قوانين لتحقيق مطالبها الاجتماعية والاقتصادية.
فظفر رجال الأمن بقوانين تمنحهم الحق في ممارسة العمل النقابي، إلا أنهم انحرفوا عن الأهداف فتحولت إلى وسيلة لإرباك عمل الحكومات المتعاقبة في البلاد ومؤسسات الدولة وتهديد لوحدة وانضباط المؤسسة الأمنية، حتى إن علاقة هذه النقابات مع مؤسسات الدولة أصبحت تقوم على الابتزاز وتبادل المصالح، وكثيرًا ما لجأت هذه النقابات الأمنية إلى التصريح للإعلام بمعطيات أمنية حساسة تمس الأمن القومي، بل وبدأت مؤخرا بالتهديد برفع الحماية الأمنية عن النواب ورؤساء الأحزاب وتعليق تأمين كافة الأنشطة الرياضية والثقافية، أي أن رجل الأمن أصبح يهدد وطنه بأنه لن يحميه.
وأنت عزيزي القارئ ما هو رأيك بالجدل الدائر حول النقابات الأمنية في تونس؟
