رواية برج الرومي

رواية “برج الرومي، أبواب الموت”، أول رواية تونسية يتم إصدار 4 طبعات منها في 4 أشهر. وهذه الرواية التي جاءت في 174 صفحة تصوّر ما عاناه المعتقلون الإسلاميّون من تنكيل في السجون التونسية في عهد الرئيس زين العابدين بن علي، وعلى الأخص سجن برج الروميّ. صوّرت هذه الرواية، بواقعية مفرطة، أصناف التعذيب التي تعرّض لها ” سمير ساسي ” ورفاقه خلال فترة اعتقال دامت عشر سنوات، في تجربة اعتبرها “قاسية جدا”. في أقبية وزارة الداخليّة ثمّ في حجرات السجن المظلمة.  سجّل الكاتب فيها تجربته مع السجن والسجّانين.

الفكرة العامة للكتاب: بناء الرواية:

قسم الكاتب كتابه إلى أبواب سبعة للقبور تنتهي بباب بالنشور، وهو ما كان ملائما جدا لعنوان الكتاب بطبعته اللندنية “البرزخ”، (مدرج إلى آخر الموت – باب القبر الأول- باب القبر السابع- نفق ….)

تبدأ الحكاية في الفصل الأول مع خروج الشخصية (فخر الدين) من السجن بعد عقد من الزمن قضاه بين جدرانه، لكنه لم ينقطع عنه تماماً فقد كان ملزماً بإثبات حضوره يوميا بمخفر الشرطة، وهو المكان الذي سيحفز الذاكرة على استرجاع آلامها. تبدأ حكاية فخر الدين برؤيا حيث يلتقي في المنام رجلاً في الأربعين يأخذ بيده ويطوف به على أبواب عديدة كان فخر الدين قد عزم على ولوجها ليكشف سرها فتنفتح له أبواب القبر تباعاً ( هي فصول الرواية) ، أوضح فيها الكاتب عوالم البشاعة التي عاشتها الشخصية في السجن وخارجه ، فيها تسترجع الذاكرة أوجاع الماضي والمهانة والمذلة وأنواع التعذيب ” ملامح الكائن المعتقل المجرد من كل أدوات المقاومة إلا من عزلته وصموده الأسطوري تقريباً”
وتتوج الحكاية في فصل ” النشور” بخروج فخر الدين من السجن وسيره في المدينة وهو يستحضر الحلم الذي عاشه ” كان في حلمه يجادل الرجل الذي سار به على الأبواب ” ليلتقي أخيراً بوجه آخر، شاب يبادله التحية ويعلن له حبه في الله، قبل أن يدوي صوت آخر يدعو إلى اليقظة والتهيؤ للحساب :” استيقظوا ….حان وقت الحساب”.

بين لقاءين ولحظتين فارقتين موتاً ونشوراً تتوالى الوقائع مشتتة على غير منهج سوى ما يستدعيه تداعي الذاكرة.

الكاتب قسم الرواية لمكانين، أو عالمين، وهما عالم السجن وعالم المدينة، وعنده أن عالم المدينة لا يختلف عن عالم السجن إلا في أشكال المعاناة، في السجن الصغير يفقد الزمن معناه وتصبح الأيام سواء ” فاليوم وغد وأمس الكل سواسية في غرفة الحبس” (ص98)، أما المكان فهو إما زنزانة أو قعر مظلمة أو قنّ يُنتهك فيه الجسد وتمارس عليه مختلف ألوان البطش والإذلال، والهدف واحد:” ألا يخرج السجين كما دخل أبداً……”

السجن الكبير / انتهاكات المدينة:

المدينة في رواية الساسي عبارة عن سجن كبير، فمعاني السلطة والإهانة والإذلال الموجودة في السجن هي ذاتها – مع اختلاف صورتها- في المدرسة والمسجد ودار القضاء والجامعة والشارع.

 في المدرسة نموذج لمنظومة الطاعة التي تود فرضها وترسيخها في عقول الناشئة. فهي الفضاء الأول الذي يتعلم فيه الإنسان الخنوع والاستكانة لمؤسسة السلطة، يقول الفتى عمر في الرواية ” يحدثنا المعلم في المدرسة حديثا لا أفقه كثيره، وقليله لغو يرسم لنا صورة بقرة أو حمار أو شرطي يراقب بطاقة هويات المارين. كل صباح يقرأ في السبورة: الطفل المهذب هو الذي يخفض صوته ويمشي الهوينا ويحيّي الشرطي إذا لقيه ويفسح له الطريق” (57).. فيتربى المجتمع بأسره – من طلاب ومعلمين وحتى المثقفون – على الخضوع للرأي الواحد.

وفي المسجد تصبح دعوة الخطيب إلى الطاعة والتفنن في الولاء لصاحب النفوذ جزءا من طقوس العبادة ” إن طاعة الوالي من طاعة الله، فمن أراد أن تقبل صلاته ويزداد له الأجر فلا يشرك في طاعة الوالي أحداً….بل إن الخضوع والخنوع يولدان نعما لا تحصى ولا تعد، فقد جعل ( الوالي) للمساجد حراسا يمنعون عنها الكلاب وأجرى فيها الماء الزلال ، وأفتى لكم بجواز صلاة الفجر في بيوتكم حتى لا يتعب الشيخ ولا يستيقظ الصبي” ( ص 60).

وفي دار القضاء تتحول المحاكمات مسرحية هزلية، وتغدو العدالة لا معنى لها، فالقاضي لا يعصي أمر الوالي: ” وقد كانت أول فتنتنا في القضاء” (ص 157).

لذا يحمّل الراوي المثقف مسؤولية المآل الذي صارت إليه المدينة: ” تشتد غربتي، أتألم، أجد، أحقد، ألعن المثقفين في بلدي إذ لم يخرجوا عن دائرة أنفسهم بل ارتدوا على أعقابهم، استهوتهم فاكهة السلطان قبل أن تخيفهم عصاه فضلوا وأضلوا، والمدينة ضحية لما يفعلون ” (ص 121).

الجدل حول الرواية:

يقول سمير ساسي عن روايته: (أنها تعتبر من ” أدب السجون ” وهو الأدب الذي يصور المعاناة التي يتعرض لها السجناء السياسيون بالتحديد، وهذا النوع من الأدب مع أنه معروف في العالم كله وعلى الأخص في العلم الإسلامي إلا أنه لم يكن معروفاً في تونس إلا قبيل الثورة بقليل. “برج الرومي” كتب داخل السجن على امتداد 10 سنوات، وفي ال 3 سنوات الأولى لم أكتب شيئا كنت أدون ما أتعرض اليه من تعذيب وما أشاهد في تلك الزنازين في ذاكرتي..
وفي بداية سنة 1995 بدأت أكتب، كنت أكتب على فترات متقطعة بحكم الظروف التي عشتها في السجن لأن الكتابة كانت ممنوعة. ورغم ذلك تحديت السجن والسجان الذي كان يمزّق أوراقي كلما تفطّن إليّ.. تلك الأوراق التي كنت أجدها بصعوبة وتلك الكتابة التي أخطّها في ظلمة الليالي القاسية لم تتطلب من جلاّدي سوى بعض الدقائق ليمزّقها وينثرها على الأرض دون وعي بمدى قيمة تلك العبارات المشحونة بالعبرات..

ومنذ ذاك الوقت قرّرت أن أجد حلاّ حتى أحمي تلك الأنّات والشهادات التي عشتها داخل السجون… فكنت أكتب على علب الحليب والسجائر ثم أضعها داخل حقيبة أخيطها..

وفي الفترة الأخيرة سمحوا لي بشراء كرّاس من إدارة السجن شريطة ان تبقى تحت رقابتهم واشتريت الكرّاس ثم ادّعيت انها سرقت مني..

كل السجون التونسية قضيت فيها سنوات من عمري وكنت كلما تعرضت للتعذيب أو شاهدت حالة تعذيب أكتب لذلك كان الجزء الأول من برج الرومي استحضارا لفترة التعذيب في دهاليز الداخلية…«ورغم العراقيل والصعوبات التي اعترضتني في تدوين ما تعرضت اليه داخل السجون التونسية كانت للكتابة لذّة لا يضاهيها شيء).

تمكّن الساسي عام 2003 من نشر الرواية بعنوان آخر “البرزخ” في لندن، يقول عن ذلك : “صديقي وأخي وأحد المهجّرين صاحب المركز المغاربي للنشر والترجمة جلال الورغي المقيم في لندن هو من تكفل بنشر العمل بعد أن استطاع صديقي لطفي الحيدوري إرساله إليه، أما المضايقات فإنها لم تنقطع لكنها لم تكن في علاقة بالرواية لسبب بسيط وهو أن مستشاري الرئيس المخلوع  وكانوا من المعادين لي أيديولوجيا ومن المدركين جيّدا لخطورة الكلمة والرواية نصحوه بأن لا يثير ضجة حول الرواية حتى لا يكسبني تعاطف أصحاب القلم في العالم  ويحولني إلى شهيد حي للكلمة وقد نجحوا في ذلك خاصة أن الرواية لم تدخل إلى تونس…….”

من مواليد منطقة لالة بمحافظة “قفصة” من الجنوب التونسي عام 1967، بقي فيها حتى أنهى تعليمه الثانوي. انتقل للعاصمة وحصل على شهادة الأستاذية في اللغة والآداب العربية من جامعة منوبة، ثم شهادة الماجستيرفي الحضارة العربية من نفس الجامعة. وهو عضو وحدة بحث الظاهرة الدينية في تونس بجامعة منوبة، ، حصل على دكتوراة في الحضارة العربية عام 2016.

سجن لمدّة عشر سنوات، اعتباراً من نوفمبر 1991، بتهمة الانتماء إلى جمعية غير مرخّص لها وذلك على خلفية نشاطه في الجامعة، حيث كان ناطقا رسميا باسم الفصيل الطلاّبي التابع لحركة النهضة. عمل صحفياً بجريدة الموقف التونسية من سنة 2005 إلى 2011.

من أعماله الأدبية: ديوان «سفر في ذاكرة المدينة»، ورواية «خيوط الظلام» سنة 2010، وله العديد من البحوث والدراسات الجامعية والمقالات الفكرية حول التراث والأديان وراهن الفكر العربي منشورة في الدوريات والمجلاّت العربية المختصّة، منها «مفهوم الفطرة عند الشيخ محمد الطاهر بن عاشور» و«القضايا اللغوية في علم أصول الفقه من خلال كتاب المعتمد لأبي الحسين البصري وكتاب الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم»، و«التيّار السلفي في الفكر الإسلامي.” مجموعة شعرية بعنوان سفر في ذاكرة المدينة.

سجن برج الرومي:

بناه الجيش الفرنسي سنة 1932 وجعله حصنا عسكريا

حوله نظام الحبيب بورقيبة (1956-1987) وزين العابدين بن علي (1987-2011) إلى معتقل للمعارضين.

يعد أسوأ السجون التونسية سمعة، وأكثرها تسجيلاً لوقوع الانتهاكات الممنهجة إبان عهد الرئيس السابق بن علي. وحسب جمعية مكافحة التعذيب في تونس فآلاف المعتقلين السياسيين في السجون التونسية عذبوا حتى مات بعضهم في عهده واختفى البعض الآخر

في أعقاب الثورة تقرر إغلاق سجن برج الرومي وقيل إنه سيتم تحويله إلى متحف ليكون شاهداً على آثار نظام بن علي.

قبو السجن، الذي لم يعد يستخدم اليوم، هو حفرة شقت في الصخر لا تدخلها الشمس ولا الهواء ما جعل جدرانها خضراء وسقفها يقطر ماء من شدة الرطوبة.

لا تزال الاغلال التي استخدمت في تقييد أرجل المساجين السياسيين ملقاة على أرضية القبو الذي كان عنبرا للمحكومين بالإعدام والاشغال الشاقة.

نشأة حركة النهضة والمواجهة مع النظام:

بعد تولي الرئيس زين العابدين بن علي الحكم في نوفمبر/تشرين الثاني 1987، شهدت العلاقات بين الحزب الحاكم وبعض عناصر المعارضة تدهوراً سريعاً. وكي تقيِّد نمو الحركات الإسلامية التي ازدادت شعبيتها، قامت السلطات بحظر تشكيل الأحزاب على أسس دينية. فحاولت الحركة الإسلامية تشكيل حزب سياسي باسم «حركة النهضة»، ولكنه لم يحصل على ترخيص قانوني في يونيو/حزيران1989، وأعقب ذلك شن حملة قمعية واسعة النطاق ضد النشطاء الإسلاميين وأنصارهم.

خلال السنة الدراسية 1990 / 1991، وفي أعقاب المظاهرات التي اندلعت والمصادمات التي وقع معظمها بين طلبة الجامعات وقوات الأمن، قُبض على آلاف من أعضاء حركة النهضة وأنصارها المزعومين. وخلال مظاهرات الاحتجاج، قام بعض الطلبة بإلقاء الحجارة، وتحولت المظاهرات في بعض الأحيان إلى مصادمات عنيفة مع الشرطة. فقد أطلقت الشرطة النار على أحد الطلبة وأردته قتيلاً في سبتمبر/أيلول 1990. وسُجن العديد من أعضاء حركة النهضة وأنصارها بتهم العضوية في منظمة غير مشروعة، وعقد اجتماعات غير مرخص لها والاشتراك في أنشطة عنيفة. وفي يوليو/تموز وأغسطس/آب 1992، أصدرت محاكم عسكرية في بوشوشة وباب سعدون أحكاماً بالسجن وصلت إلى السجن المؤبد بحق 265 من قادة حركة النهضة وأعضائها إثر محاكمات جائرة شابتها مزاعم التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة. وقد وُجهت إليهم تهم التآمر للإطاحة بالحكم والانتماء إلى منظمة محظورة. ومنذ ذلك الوقت والسلطات تستخدم بواعث القلق «الأمنية» كذريعة لقمع المعارضة السياسية. فبالإضافة إلى الإسلاميين، كان من بين المستهدفين أعضاء حزب العمال الشيوعي التونسي المحظور، وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين والنقابات العمالية

بعدها أصبح كل شخص يُشتبه في معارضته للحكم أو انتقاده له عرضة للمضايقة والاعتقال التعسفي والاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي والتعذيب والسجن بعد محاكمة جائرة. وقد قُبض على مئات، الأشخاص بموجب قانون مكافحة الإرهاب لعام 2003، وهؤلاء هم عادة من الشباب الذين يرتادون المساجد ويناقشون أفكاراً دينية. ومن بين المستهدفين الآخرين أعضاء في الاتحاد العام لطلبة تونس ونشطاء في المعارضة السياسية ونقابيون وأعضاء في الجمعيات والمنظمات غير الحكومية التي رفضت السلطات منحها تراخيص، وصحفيون ممن ينتقدون الحكم أو الفساد.

عند إعدادي لهذا الفيلم بكيت كثيرا وتألمت على أحوال المصلحين وأصحاب الفكر والرأي في بلادنا العربية، فما ذكره الكاتب في روايته يتشابه بشكل كبير مع ما يعانيه كثير من سجناء الرأي 

فكرة واحدة على ”رواية برج الرومي

التعليقات مغلقة.