مسرح الفنان الكويتي عبد الحسين عبد الرضا الذي بنقده الساخر للأوضاع السياسية والاجتماعية السائدة بالمنطقة العربية، والذي ضمّنه في العديد من أعماله المسرحية والتلفزيونية.
في هذه الحلقة من برنامج خارج النص سنتناول دور المسرح في الكويت من ستينيات القرن الماضي إلى نهاية الثمانينيات، وقدرته على توجيه النقد الاجتماعي والسياسي لمشكلات بلاده في ظل السقف العالي للحريات آنذاك، من خلال ثلاث مسرحيات قدمها الفنان الكويتي الراحل عبد الحسين عبد الرضا ، ومن ثم نرصد الجدل الذي رافق انتاجها والتحولات التي طرأت على المسرح الكويتي بعدها.

المسيرة الفنية لعبد الحسين عبد الرضا وارتباطها بالحرية الفنية في الكويت:
يعتبر عبد الحسين عبد الرضا من عمالقة الفن بالخليج والكويت ومن رواد الحركة الفنية الخليجية، فقد عاصر تطور الحركة الفنية في الكويت، وأسهم مع عدد من رفقاء دربه الفني، منهم سعد الفرج وغانم الصالح وإبراهيم الصلال وخالد النفيسي وعلي المفيدي، في تقديم أعمال متميزة، حيث أبدع عبد الحسين في تقديم العديد من ألوان الفنون كالتمثيل والغناء والتأليف المسرحي والإنتاج الفني، سواء في المسرح أو التليفزيون أو الإذاعة.
استطاع ” عبد الحسين عبد الرضا” عبر مسيرته الفنية الزاخرة أن يعكس مشاعر الناس في أعماله الفنية الكوميدية وغيرها، واستطاع ببصيرته الفنية الحاذقة أن يوثق محطات رئيسية في تاريخ الكويت بكل شفافية ودون تزييف، مما رسخ مكانة عالية لدى جمهوره داخل الكويت وخارجها.
بدايته المسرحية كانت في أوائل الستينيات، حين شارك في مسرحية «صقر قريش» بدلاً من الفنان عدنان حسين، ووقتها لفت أنظار المخرج زكي طليمات، الذي قرر إنشاء فرقة المسرح العربي عام 1962 والتي كان لها وقع خاص على حياة عبد الحسين الفنية، حيث تم إرساله في بعثة مع بعض أعضاء فرقة المسرح العربي إلى مصر لمدة ثلاثة أشهر، وبعد عودتهم نشطت الحركة المسرحية في الكويت وأسهم أعضاء البعثة في تقديم مسرحيات عدة ، فقدم مجموعة كبيرة من المسرحيات خلال عامين متتاليين.
خلال مسيرته الفنية الطويلة أسهم عبد الحسين عبد الرضا في تأسيس العديد من الفرق المسرحية كالمسرح الوطني والمسرح العربي، وأسس قناة فنون التليفزيونية، فكانت شاهداً وتوثيقاً صادقاً ودقيقاً للحياة الاجتماعية الشاملة في الكويت بتفاصيلها السياسية والاقتصادية، حيث استطاع بذكاء عبر مسيرته الفنية الزاخرة أن يعكس مشاعر الناس في أعماله الفنية الكوميدية.
فتناول الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية بأسلوب كوميدي نقدي.
فكرة الفيلم :
الفيلم يسلط الضوء على ثلاث نماذج من مسرحياته ،والتي تناقش قضايا مختلفة.
الأولى، وهي مسرحية ” باي باي لندن” ، والتي ناقشت مشكلة أو ظاهرة اجتماعية سادت حينها في الكويت ودول الخليج بشكل عام، وهي ظاهرة الذهاب إلى لندن وأوروبا عموماً من الخليجيين لفعل وارتكاب اشياء منعوا منها في بلادهم إما لأسباب دينية أو معتقديه بناءاً على المقوله: “كل ممنوع مرغوب”.
المسرحية فيها الكثير من الرمزية والإسقاطات السياسية و الاجتماعية وانتقاد بعض الأوضاع العربية ، واستغلال الغرب للثروات العربية. حققت هذه المسرحية حينها نجاحا كبيرا فاق التوقعات ، ورفعت مدرجات أغلب العروض شعار “كامل العدد”.
أما الثانية ، وهي مسرحية ” باي باي عرب” ، فناقشت موضوعا سياسيا ، وهو موضوع التفرقة بين الدول العربية، وعن أحلام المواطن العربي البسيط الذي يحلم بالوحدة العربية، في إطار كوميدي ساخر، حيث يقوم «عرب»، وهو مواطن عربي ذو أحلام بسيطة بالتعاون مع مرجان الجان، الذي يسعى لتلبية مطالب هذا المواطن لرد الجميل، بالذهاب في رحلة للم شمل العرب وتوحيد الشعوب العربية فيُصدم بالواقع المرير والمفارقات التي تبين مدى صعوبة تحقيق هذا الحلم حتى بوساطة الجن.
أما المسرحية الثالثة ” هذا سيفوه” ، فتدور أحداثها حول ثلاثة تجار يستغلون البسطاء ويخدعوهم من خلال الأكاذيب، وكان المطوع أو الملا يقوم بالتصدي لهم من خلال تجييش الناس حول هؤلاء التجار فتكون مواجهات ما بين الملا والتجار الثلاثة الجشعين وتصديهم للتاجر البدوي “هواش”.
فالمسرحية تصوِّر العلاقة بين مجموعة من التجار المحليين والوكيل السياسي البريطاني في الكويت آنذاك، حيث يستفيد هؤلاء التجار من علاقتهم بمندوب الاستعمار، ويستعدون لمرحلة النفط التي يخبرهم الوكيل البريطاني بأنها قادمة، فيرسلون أولادهم إلى الهند ومصر والعراق، ليتعلموا ويستعدوا للحقبة النفطية، فيما بقي أولاد الفقراء، والذين لا نفوذ لهم، يتعلمون في الكتاتيب المحلية، على يد “الملا” أو “المطوَّع.
فمن خلال هذه المناذج الثلاث من مسرحياته ، سنعرض قوة الطرح لدى عبد الحسين، والذي كان معروفا عنه خروجه عن النص في مسرحياته ، وفي تناوله لقضايا أساسية ومحورية يعاني منها المجتمع الكويتي بشكل خاص والمجتمع العربي بشكل عام ، ومن خلال الضيوف سنتعرف على أثر مسرح عبد الحسين ودوره في صناعة الرأي العام الكويتي ، ومن ثم ننتقل إلى دور الرقابة الإعلامية، والتي يتهمها البعض بأنها تقتل الروح الإبداعية لدى الفنان .والرقابة المجتمعية والتي قد يكون اثرها أكبر كما حصل في قضية مسرحية ” هذا سيفوه” .
فبعد أن أجازت وزارة الإعلام المسرحية ، وتم عرضها، أثارت المسرحية ضجة عند الكثير من الجمهور ، والبعض اعتبر ما ورد في بعض الحوارات تجنٍ على رجال الدين وسخرية منهم ، وتوقفت العروض، لـتتحول بعد ذلك إلى قضية.
وهكذا، انتقل فريق العمل إلى المحكمة، وتم الحكم عليهم بالبراءة لاحقاً، ما عدا الفنان عبد الحسين عبد الرضا الذي حُكِم عليه بالسجن ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ، مع دفع غرامة مالية – 500 دينار كويتي- بسبب كلمة قالها خارج النص ، مع ان العرض تمت اجازته من وزارة الاعلام، فكان غريبا ان تتنصل الوزارة منه.
شكلت هذه المسرحية نقطة فارقة وتحوّل حقيقي في دور المسرح الكويتي وقدرته على مناقشة قضايا جوهرية وجادة بأسلوب كوميدي، وصناعة وعي لدى المشاهد الكويتي، ولذا قيل عنها أنها كانت سيفًا قطع شعرة الحريات الإبداعية في الكويت، فكانت محورية في قضية تراجع المسرح الهادف في الكويت.
بعد هذه المسرحية، اتخذ عبد الحسين قرار الاعتزال عن المسرح، إلا أنه عاد عام 1992 وقدم مسرحية سيف العرب، فتعرض على إثرها لمحاولة اغتيال ، ومن ثم تعرضت محلاته لتفجير بال آر بي جي .وبعدها قدم عدة مسرحيات ليس لها علاقة بالسياسة.
