بئر برهوت،،،أرض الجن

بئر غامض تنتشر حوله الأساطير والحكايات العجيبة، ويطلق عليه سكان المكان العديد من التسميات، فهو “بئر قعر جهنم” أو “البئر الاسود” أو “برهوت” أي أرض الجن في اللغة الحميرية القديمة. فأين يقع هذا البئر؟ وما هي معتقدات سكان المنطقة حوله؟ وما قول أهل العلم حول سبب نشأته وطبيعته؟

الصورة مأخوذة من موقع المصري اليوم

يقع بئر برهوت في وادي حضرموت في محافظة المهرة باليمن، يصل اتساع فوهته إلى ٣٠ متر تقريبا، أما عمقه فيتراوح ما بين ١٠٠متر و٢٥٠ مترا تحت الأرض، حيث لا يمكن رؤية قاعه إلا في حال تعامد أشعة الشمس بشكل كلي على فوهة البئر.

الموقع والتسمية

سبب تسمية البئر يعود إلى قصتين شهيرتين، الأولى:

أن من حفر البئر هم ملوك الجن ليكون سجنا للعصاة، ودليلهم على ذلك هو الغازات والأبخرة المتصاعدة من فوهته.

أما القصة الثانية فهي أن أحد ملوك حمير استعان بالجن لإخفاء كنوزه الكثيرة، وعندما توفي جعل الجن من بئر برهوت موطنا لهم.

أساطير يتناقلها سكان المنطقة

في يوم من الأيام كان هناك امرأة حامل ترعى الأغنام ومن حظها السيء أنها وضعت رضيعها على مقربة من بئر برهوت وعندما تركته لمدة ثواني ورجعت لترى طفلها لم تجد له أثر وقد اختفى، وبحسب أقاويل سكان المنطقة، الجن هو من أخذ الطفل.

يقال إن الأجداد أتوا لجلب الماء من البئر بسبب شحة المياه، فقاموا بربط رجلاً بحبل وأنزلوه بشكل بطيئ ليقوم بجلب الماء من الأسفل، وعند وصوله إلى منتصف الطريق قام بالصراخ مستنجداً وخائفاً ليرفعوه، وعندما رفعوه إلى الأعلى وجدوا نصف جسده من الأعلى فقط والجزء الأخر السفلي لم يكن موجوداً

رواية أخرى تقول عن سماع “أنين ” يصدر من هذه البئر وحمائم تلاحق المارين قرب البئر.

جرت عدة محاولات فردية لاستكشاف البئر، ومنها ما قام به أشخاص من شركة خط الصحراء حيث تم ربط أحد موظفي الشركة بحبل من أجل أن ينزل إلى قاع البئر وربط البئر بحبل كرين ومعه كاميرا فيديو لتصوير عملية النزول وتمت عملية النزول تدريجياً حتى تم النزول الى مائة متر من البئر وطلب هذا الموظف ان يتم رفعه بسرعة وعندما سأل بعد طلوعه عن سبب صراخه قال رأيت حلقة البئر وكأنها ستغلق عليَّ وعندما أرادوا مشاهدة ما تم تصويره بواسطة الكاميرا صدموا عندما رأوا ان ما تم تصويره هو ظلام دامس رغم ان وقت النزول كان الوقت المناسب لمشاهدة البئر بوضوح

ونظرًا للغموض الذي يحيط بالبئر العميقة، يخشى غالبية السكان الاقتراب منها؛ إذ تناقل بعض اليمنيين الموروث الشعبي الخاص بالبئر الأسطورية على مدار القرون الماضية والتي تشير إلى وجود الجن بداخلها، حتى ساد اعتقاد بينهم بأن هذه البئر العميقة تشكل خطرا لسكان الأرض، لكوها «قد تبتلع كل ما يقترب منها» حتى أن كثراً يتجنبون مجرّد التحدث عن هذه الحفرة الغامضة مخافة أن تلحق بهم الأذى، وفق الاعتقاد السائد بين معظم اليمنيين.

بعض الآثار والأحاديث النبوية المتعلقة ببئر برهوت

روى الطبراني في معجمه الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من الطعم، وشفاء من السقم، وشر ماء على وجه الأرض ماء برهوت بقية حضرموت كرجل الجراد -أي: جماعة الجراد- من الهوام، يصبح يتدفق، ويمسي لا بلال بها.

قال المناوي: قال الهيثمي: رجاله ثقات. وصححه ابن حبان وقال ابن حجر: رواته موثوقون، وفي بعضهم مقال، لكنه قوي في المتابعات، وقد جاء عن ابن عباس من وجه آخر موقوفا: …. (وشر ماء على وجه الأرض ماء بوادي برهوت) أي: ماء بئر بوادي برهوت، بفتح الباء، والبئر بئر عميقة بحضرموت، لا يمكن نزول قعرها، وقد تضم الباء وتسكن الراء، وهي المشار إليها بآية: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ [الحج: 45]. (بقية حضرموت كرجل الجراد من الهوام تصبح تتدفق وتمسي لا بلال لها)

قال الزمخشري: برهوت بئر بحضرموت، يقال إن بها أرواح الكفار، واسم للبلد التي فيها هذا البئر، أو أراد باليمن.

 عن الأصمعي عن رجل من أهل برهوت: أنهم يجدون الريح المنتن الفظيع منها، وفيه أنه يكره استعمال هذا الماء في الطهارة وغيرها، وبه قال جمع من الشافعية.

وقال ياقوت الحموي في معجم البلدان: برهوت: واد باليمن يوضع فيه أرواح الكفار، وقيل برهوت بئر بحضرموت، وقيل: هو اسم للبلد الذي فيه هذه البئر، ورواه ابن دريد برهوت، وقيل: هو واد معروف، وقال محمد بن أحمد: وبقرب حضرموت وادي برهوت، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: إن فيه أرواح الكفار والمنافقين، وهي بئر عادية في فلاة واد مظلم.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن أرواح المؤمنين بالجابية من أرض الشام، وأرواح الكفار ببرهوت من حضرموت.

‏وعن علي بن ابي طالب أنه قال‏:‏ أبغض البقاع إلى الله تعالى وادي برهوت بحضرموت فيه بئر ماؤها أسود منتن يأوي إليه أرواح الكفار‏.‏ وكذلك قال: “‏ خير واديين في الناس وادي مكة ووادي ارم بأرض الهند، وشر واديين في الناس وادي الأحقاف وواد بحضرموت يدعى برهوت يلقى فيه أرواح الكفار، وخير بئر في الناس زمزم، وشر بئر في الناس برهوت، وهي في ذاك الوادي الذي بحضرموت.

وذكر الأصمعي عن رجل حضرمي انه قال‏:‏ إنا نجد من ناحية برهوت رائحة منتنة فظيعة جداً فيأتينا الخبر أن عظيماً من عظماء الكفار مات‏.‏

وحكى رجل أنه بات ليلة بوادي برهوت قال‏:‏ فكنت أسمع طول الليل يا دومه يا دومه فذكرت ذلك لبعض أهل العلم فقال‏:‏ إن الملك الموكل بأرواح الكفار اسمه دومه‏.‏

وذكرها الإمام الشافعي في أنواع الماء المكروه: المشمس، وشديد الحرارة، وشديد البرودة، وماء ديار ثمود إلا بئر الناقة، وماء ديار قوم لوط، وماء بئر برهوت، وماء أرض بابل، وماء بئر ذروان

الجانب العلمي

ما قام به المستشرق الألماني فون فيسمان بصحبة قنصل هولندا لدى جدة الكولونيل فان در ميولين في العام ١٩٣١، حيث قال إن البئر من حجر جيري نموذجي وليس بركاني وأن سبب الروائح النتنة المنبثقة منه تعود لوجود الخفافيش بكثرة فيه إضافة للحرارة العالية والتي يسببها الهواء الحار القادم من الوادي، وذلك بخلاف ما قيل إنها بسبب الأحماض الكبريتية

الأمر الذي يدعونا للتساؤل: كيف تغطي الأساطير على الحقائق العلمية؟

في عام ١٩٠٤ كتب “ديفيد جورج هوقارث” قصته الرائعة حول اكتشاف شبه الجزيرة العربية، التي سماها “اختراق شبه الجزيرة العربية”، وتحتوي على سجل أمين عن تطور معرفة الغربيين بشبه الجزيرة العربية.

ومن ضمن ما قال في مقدمته عن بئر برهوت:

ومن العصي على الرحالة البحث عن أسرار بئر برهوت، ذلك المكان الملعون الذي يعتبر مقرا مؤقتا لأرواح الكفرة، والذي تنبعث منه غازات سامة.