الفيلم يناقش الجدل الدائر حول التجربة المسرحية ل”سعد الله ونوس”، الذي يرى مؤيدوه أنه اتسم بالثورية والتجديد، بوقوفه في مواجهة السلطة بكل مفاهيمها، سواء كانت سلطة سياسية، أو أي سلطة تفرضها قوى أو جماعات أو معتقدات، في حين رأى آخرون أن ونوس ما هو إلا صنيعة النظام السوري وأحد أعمدته الثقافية.
فاتن خضر

من هو سعد الله ونوس؟
سعد الله ونوس مواليد العام 1941 في قرية حصين البحر التابعة لمحافظة طرطوس-سوريا في أسرة فقيرة عاشت حياة البؤس والفقر والحرمان، عندما التحق بالمدرسة الابتدائية ظهر ضعفه في مادة التعبير الأمر الذي دفعه إلى مطالعة الكتب بشكل أكبر, عين مدير قسم النقد في مجلة المعرفة الصادرة عن وزارة الثقافة، خلال فترة عمله في المجلة ازداد اهتمامه وتركز على المسرح، وعندما سنحت له الفرصة سافر إلى باريس في إجازة دراسية لدراسة الأدب المسرحي في معهد الدراسات المسرحية التابع لجامعة السوربون، عندما وصلته أخبار نكسة 5 حزيران عام 1967 شعر بأنها هزيمة شخصية له وكان رد فعله على ذلك كتابته لمسرحية “حفلة سمر من أجل 5 حزيران”.
بعد عودته إلى دمشق أمضى أربعة أشهر من الأسوأ في حياته ثم عاد إلى فرنسا التي شدته فيها الحياة الفكرية وأخرجته من عزلته، مارس مع زملائه في الجامعات الفرنسية العديد من النشاطات السياسية التي كانت تهدف إلى التعريف بالقضية الفلسطينية من خلال الكتابات والمنشورات، كان مؤمناً بالاشتراكية العلمية منهجاً وأسلوباً في الحياة لكنه لم يعرف انتماءً إلى أي تنظيم حزبي.
وعمل في 1975م مديرًا للمسرح التجريبي في مسرح القباني الذي تشرف عليه وزارة الثقافة حيث أوكل إليه أن يؤسس المسرح ويضع برنامجه.
في عام 1977 أسس فرقة المسرح التجريبي مع صديقه المسرحي فواز الساجر التي كانت تهدف إلى تقديم مسرح وثائقي يكشف من خلاله مشاكل المجتمع ويدعو إلى الإصلاح والتغيير، اعتصم ونوس عن الكتابة بعد غزو إسرائيل للبنان وحصار بيروت عام 1982 لمدة عشر سنوات عاد بعدها إلى الكتابة في أوائل التسعينات من القرن الماضي من خلال مجموعة من المسرحيات السياسية بدءًا بمسرحية “الاغتصاب” 1990، إلى جانب “منمنمات تاريخية”1994 و “طقوس الإشارات والتحولات”1994 و “أحلام شقية”1995، “يوم من زماننا” 1995 وأخيرًا “ملحمة السراب” 1996، و”بلاد أضيق من الحب” 1996.
فكرة الفيلم
يستعرض الفيلم تعريفا بالكاتب المسرحي سعد الله ونوس، حيث نشأ في منطقة ريفية فقيرة في الساحل السوري، نتعرف على أهم المحطات التي مر بها، والتي شكلت منعطفات هامة في حياته وبالتالي أثرت على إنجازه المسرحي، كالانفصال السوري-المصري، ونكسة حزيران، وغزو إسرائيل للبنان عام 1982 وأخيرا إصابته بالسرطان الذي أنهى حياته عام 1997.
ركز الفيلم على طبيعة مسرحيات سعد الله ونوس، والتي تميزت بأنها تتناول المشاكل الاجتماعية والسياسية في الوطن العربي، والتي أثارت جدلا واسعا بين النقاد والكُتاب المسرحيين.
حيث يعتبر مؤيدوه أنه أمضى حياته مدافعاً عن قضايا التحرر العربي في كل مكان، وعن دور الثقافة في مواجهة القهر والاستبداد، وأهمية دور المثقف النزيه في التصدي لقضايا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي تهم الأمة بأسرها، وأن الهزائم والنكسات كانت محفزاً له لتعرية الواقع العربي، وتشريح عوامل ضعفه، وتمزيق أقنعة صانعيها درامياً، حتى كاد يكون مؤرخاً للهزائم العربية بامتياز، فعندما وقعت نكسة يونيو/ حزيران عام 1967 كتب مسرحيته الشهيرة حفلة سمر من أجل 5 حزيران، التي حاول فيها تقديم قراءة نقدية للنكسة من وجهتي نظر الشعب والسلطة، ومن ثم إشراك المتلقين في الرأي ووجهة النظر، عبر إلغاء الحدود الفاصلة بين الممثلين والمتلقين.
يناقش الفيلم أبرز مسرحياته وما دار فيها من نقد ومعارضة للسلطة –أيا كانت تلك السلطة- نبدأ مع مسرحيته الأولى والتي لم تنشر حتى الآن “الحياة أبداً”، والتي كتبها بعد الانفصال بين سوريا ومصر، لننتقل إلى مناقشة مسرحية “حفلة سمر من أجل 5 حزيران، والتي كتبها عندما وصلته أخبار نكسة 5 حزيران عام 1967 وشعر بأنها هزيمة شخصية له, (مسرحية حفلة سمر من أجل 5 حزيران)، تناولت البحث في الأثر النفسي للهزيمة، فازت بجائزة وزارة الثقافة بعد كتابتها مباشرة عام 1968 ثم فازت بحائزة اليونسكو في نفس العام ومع ذلك حجبت المسرحية ومنعت طباعتها من قبل وزارة الثقافة’ أخرجها للمسرح المخرج علاء الدين كوكش ومنع عرضها أيضا, كما منعت من المشاركة في مهرجان دمشق للفنون المسرحية في نيسان عام 1970, ولم يفرج عنها إلا في عام 1973 حينها عرضت ولاقت نجاحا كبيرا.
لقد أثارت حفلة سمر . . . ضجةً كبيرة أثناء تقديمها وبعده، وشكلت خطوة جديدة لمسرحه الملتزم، الذي أطلق عليه صفة مسرح التسييس، كبديل عن المسرح السياسي، وهو شكل مسرحي يوحّد الخشبة بالصالة، في علاقة تفاعليّة تفترض الحوار الحيّ، ومتعة الفرجة الشعبيّة.
تلك المسرحية ركيزة أساسية في الفيلم فهي المسرحية التي تزامن فيها انطلاقة سعد الله ونوس مع صعود النظام البعثي الجديد في سوريا، وهي المسرحية التي أثارت جدلا أكثر من باقي مسرحياته لأسباب عديدة، ولعل أهمها أن الرئيس السوري حافظ الأسد حضر العرض الأول لها!
فهي مسرحية تنتقد الهزيمة التي كان مسؤولا عنها وزير الدفاع حينها –حافظ الأسد-، ورغم ذلك صفق لها وصفق الجمهور وتلقاها تيار الممانعة بالقبول، فكان ونوس بالنسبة لعدد لا يحصى من المثقفين والمبدعين العرب الضمير المعلن والقادر على المصارحة والتصريح العلني، في مشهد الصمت، وشاع في الثقافة السورية والعربية اسم سعد الله ونوس كأهم كاتب مسرحي، لتصدح بأن تلك مكانة لا يصل إليها إلا الكُتّاب العالميون الافذاذ.
في المقابل هناك الرأي الآخر، الذي يعتبر سعد الله ونوس صنيعة النظام وأحد أعمدته الثقافية، لكثير من الأسباب فدراسته الممولة من الحكومة البعثية وما تلاها من عمل في أجهزتها الثقافية، إضافة لعلاجه على نفقة الحكومة. يجعل الأمر يبدو غريبا لكل من عرف طبيعة ذلك النظام القمعي والذي كان مسيطرا على الإنتاج الثقافي لبلاده، ولهذا اعتبر بعض النقاد بأن مسرحياته ما هي إلا تنفيس للشعب عما يلاقيه من السلطة، وربما هذا يتوافق مع ما قاله ونوس في حوار له عام 1979، حيث يصف عرضه لتلك المسرحية: “حين عرضت المسرحية بعد منع طويل، كنت قد تهيأت للخيبة، لكن مع هذا كنت أحس مذاق المرارة يتجدد كل مساء في داخلي وينتهي تصفيق الختام. ثم يخرج الناس كما يخرجون من أي عرض مسرحي، يتهامسون، أو يضحكون، أو ينثرون كلمات الإعجاب. ثم ماذا؟ لا شيء آخر. أبدًا لا شيء. لا الصالة انفجرت في مظاهرة ولا هؤلاء الذين يرتقون درجات المسرح ينوون أن يفعلوا شيئًا إذ يلتقطهم هواء الليل البارد عندما يلفظهم الباب إلى الشارع حيث تعشش الهزيمة وتتوالد”.
حيث يقصد من كلامه أن الكلام الموجه للجماهير ضمن المسرح لم يشكل أي حافز ولم يغير أو يولّد أية إرادة أو ثورة في هذا الجمهور، وهذا ما أراد أن يشير إليه بأن الكلمة لم تتحول إلى فعل وأن مشكلةً ما لاتزال موجودة.
كان للأحداث السياسية الهامة في الوطن العربي أثرها على الإنتاج المسرحي لونوس، فهو قد امتنع عن الكتابة عشر سنوات بعد الغزو الإسرائيلي لبيروت عام 1982، ليعود بعدها بمجموعة من المسرحيات السياسية أهمها مسرحية “الاغتصاب” 1990 والتي تصور الصراع العربي الإسرائيلي، إلى جانب “منمنمات تاريخية”1994، وفيها ناقش حصار التتار لدمشق في عهد تيمورلنك، وانتقد موقف نخب المدينة السياسية والدينية والتجارية حيال هذا الغزو
أما في مسرحية “الملك هو الملك”، يوضح فيها ونوس أسباب التحولات والتغيرات التي تطرأ على الإنسان، محبّ السلطة، فتجد الأمر المهم والرئيس بالنسبة للملك الجديد: هو العرش… فتتبدل مواقف الرجل من قوى الشر، ومصارعة تلك القوى، التي قد تفقده هذا العرش، فيتناسى آراءه ورؤيته الأصلية لتلك القوى وممثليها، إلى حد تجاهل أقرب الناس إليه كزوجته وابنته الفقيرتين، وهو قابع على عرش الحكم.
تفرّد سعدالله ونوس على امتداد تجربته المسرحية الرّحبة بأنه سخّر إمكاناته متسلحًا بسلطة الكتابة للوقوف في خندق معارضة السلطة وليس السلطة بمفهومها السياسي فحسب، بل كلّ سلطة تفرضها قوي أو جماعات أو معتقدات، كسلطة رأس المال والسلطة الكهنوتية (الدينية) والسلطة الأبوية، وكذلك السلطة الذكورية التي تنزع المرأة حقوقها وتهدر مكتسباتها, وتناول في عكس هذا الجانب مسرحيتين أساسيتين لتبين نقد ونوس للسلطات غير السياسية
وقصة مسرحية: يوم من زماننا التي كتبها عام 1993 في المرحلة الأخيرة من عطائه، أعدها وأخرجها الممثل والمخرج محمد بكري. والتي تدور أحداثها حول شخصية حسن أو ” فاروق” في النص الأصلي لسعد الله ونوس، وهو معلم رياضيات يكتشف تورط بعض الفتيات اللواتي يعلمهن بممارسة الدعارة في بيت الست فدوى، فيحاول التوجه لمدير المدرسة ومن ثم لإمام الجامع ورئيس البلدية لكي يمنع الست فدوى من استغلال الفتيات.
شخوص المسرحية: في المسرحية ثلاثة فضاءات، تمثل شخصية حسن البعد الأول عبر تشكيلها الدرامي القاتم، فهو الإنسان البسيط صاحب الضمير والذي يصطدم بواقع فاسد يصل حتى بيته ويبدو لنا أن حسن ضحية الخداع، فيصعب على أمثاله العيش في واقع كهذا. ويتمثل البعد الثاني في باقي الشخصيات الرئيسية: مدير المدرسة، إمام الجامع، رئيس البلدية، الست فدوى، وهي الشخصيات التي تمثل الفساد في السلطة.
وتمثل فرقة العازفين والراقصين بعدًا ثالثًا غلف المسرحية بغلاف موسيقي غنائي راقص تقاطع مع مشاهد المسرحية، وكان عبورًا بين مشهد وآخر، ويبقى أعضاء الفرقة جالسون في جوانب المسرح يشاهدون أحداث المسرحية كأنهم جمهور آخر يستطيع الممثل التعامل معه والتوجه إليه.
والمسرحية الثانية التي مر الفيلم على تفاصيلها وحكايتها والتي تعكس النقد المجتمعي للسلطات الأبوية والذكورية في العالم العربي
طقوس الإشارات والتحولات (السلطة الذكورية التي تنزع المرأة حقوقها وتهدر مكتسباتها):
كتبها عام 1994، تدور أحداثها حول الصراع الاجتماعي بين كبار التجار، للسيطرة على الأسواق والنقابات، ولذلك يتم التدبير للقبض على أحد الأطراف المتصارعة في منزل مغنية، إلا أن التاجر الآخر يسعى بحيلة جديدة لإنقاذ ذلك باستبدال زوجته بالمغنية، وبذلك يتم تبرئة الأول، لكن الأمور تتعقد حينما تشترط الزوجة الطلاق، أي أن الزوجة الأمينة أنقدت زوجها، لكنها لم تستطع العيش مع من خانها. وتتصاعد الأحداث وفي كل لحظة يتم كشف حقيقة المجتمع، بل وإدانة الآخرين، وداخل الأحداث تموت ضحية لمجتمع يرى المرأة من منظور العورة، ضاغطا عليها، فإذا ما سقطت تخلى عنها الجميع وأهدروا دمها، حتى يصل الجميع إلى لحظة الندم والاعتراف بذلك، فتكون النهاية.
