حكم العسكر في السودان

تم إعداد هذه الحلقة في العام ٢٠١٩، بعد أن نجح السودانيون بإسقاط نظام عمر البشير الذي امتد على مدار ثلاثين عاما،،،،الآن،أعيد نشرها، بعد أن تم الانقلاب على الحكومة الانتقالية قبل انتهاء المهلة المقررة لها

فاتن خضر

يمكن القول أن المؤسسة العسكرية السودانية بدأت منذ تكوين وحدات عسكرية سودانية والتي وضعتها دولتا الحكم الثنائي «بريطانيا ـ مصر» بعد فتح ـ أو غزو ـ السودان في العام 1898 ضمن منظومة الدفاع عن السودان، مروراً بـ «قوة دفاع السودان» التي أنشأت في العام 1925، ثم إعلان «الجيش السوداني» في يناير 1954 قبل استقلال البلاد، وأخيراً.. «القوات المسلحة السودانية» حتى يومنا هذا.

 خلال معظم تلك الحقب الزمنية والسنوات الماضية كان الجيش السوداني في صدارة الأحداث السياسية التي صاغت تاريخ السودان الحديث، فالفترات الزمنية التي حكم فيها العسكر السودان فاقت بكثير الفترات التي استلمت فيها حكومات مدنية السلطة في البلاد، فمنذ العام 1955، وفي أغسطس تحديدا، دخل الجيش السوداني معترك السياسة بتمرد وحدات الفرقة الجنوبية لأسباب سياسية ناتجة عن ترسبات الاستعمار، وبقوة دفع من الساسة الجنوبيين.. ثم تلا ذلك الانقلاب العسكري الأول الذي قاده الفريق إبراهيم عبود في 17 نوفمبر 1958 والذي أدخل الجيش السوداني في لجة السياسة، ولتبدأ الحلقة الشريرة التي اشتهر بها السودان.. إسقاط الحكم المدني الديمقراطي بانقلاب عسكري يستولي على السلطة.. لتعقب بعدئذٍ انتفاضة شعبية تهدف لاستعادة الديمقراطية السليبة.

 مما أدخل السودان في أزمات سياسية متلاحقة عبر نصف قرن من الزمان، كانت تنتهي دائماً بفتح الطريق لتدخل الجيش. وقاد ذلك إلى ثلاثة انقلابات عسكرية ناجحة، وطدت ثلاثة أنظمة حكم عسكري دكتاتوري، مختلفة الهويات والتوجهات.

خلال تلك العقود مر الجيش السوداني بكثير من المنعطفات التي حرفت مساره عن دوره الأساسي المتمثل في حماية البلاد من الخطر والعدو الخارجي ليتحول إلى حماية قائده ،،،حميدتي

موجز عن الانقلابات، وتعاقب الحكم المدني والعسكري: فتح ” الباب الدوار

يمكن تقسيم العقود الستة التي مرت من عمر السودان الحديث منذ حصولها على الاستقلال سنة 1956، إلى ست حقب أساسية، ثلاث منها عبارة عن فترات حكم عسكري، وثلاث فترات قصيرة من الحكم المدني.

يقول حسن الحاج علي أحمد: (أسباب تدخل العسكريين في السلطة في السودان تعود إلى الاستقطاب السياسي المتزامن مع تسييس المؤسسة العسكرية، إذ أصبح العسكريون امتدادا للمدنيين داخل المؤسسة العسكرية، فعندما يخسر السياسيون المدنيون في الميدان السياسي، يلجؤون إلى حلفائهم العسكريين كي يقوموا بانقلاب عسكري ويفرضوا واقعا جديدا.

فالضباط الذين تسلموا السلطة عبر انقلابات، فعلوا ذلك بتواطؤ مع قوى سياسية مدنية. ولكن ينبغي ألا يُنظر إلى العسكريين الحكام بمعزل عن الأوضاع المجتمعية السائدة، فالمجتمع السوداني يشهد تسييسا حادا: نقاباته واتحاداته ومدارسه ومؤسساته الدينية. والمؤسسة العسكرية ليست استثناءً. وعندما يقوم الضباط بانقلاب فإنهم يسعون لتحقيق ما فشل فيه نظراؤهم من المدنيين، فالانقلاب العسكري في السودان هو استمرار للعملية السياسية بوسائل أخرى.)

انقلاب 1958

واجهت الحكومة السودانية الأولى بعد الاستقلال صعوبة التوفيق بين الشريكين السياسيين الأساسيين داخلها، أي كل من حزب الأمة والحزب الديمقراطي الشعبي، وهو ما انتهى بأول انقلاب عسكري في تاريخ السودان المستقل قاده إبراهيم عبود في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 1958، ليترأس حكم البلاد إلى غاية العام 1964.

برّر الفريق إبراهيم عبود إقدامه على انقلاب 1958 بتنفيذ أجندة سياسية لرئيس الحكومة عبد الله الخليل الذي قرر التضحية بالمسار الديمقراطي للسودان لمنع تحالف سياسي كان وشيكا بين حليفه ” الحزب الوطني الاتحادي“ وحزب الشعب الديمقراطي المعارض، حيث يقول: “قبل أيام من استئناف البرلمان لأعماله، اتصل بي رئيس الوزراء عبد الله خليل وأخبرني أن الوضع السياسي يسير من سيئ إلى أسوأ، وأن أحداثا خطيرة ومهمة قد تنشأ نتيجة لهذا الوضع، ولا يوجد مخرج غير استلام الجيش للسلطة“.

وبذلك فإنه يتهم السياسيين بالوقوف وراء فتح ما يعرف بـ“الباب الدوار“، أي التناوب بين المدنيين والعسكريين على السلطة.

وحضر الهاجس الاقتصادي والتنموي بقوة في هذه الفترة العسكرية الأولى التي ارتبطت باسم عبود، حيث وضعت حكومته مخططا للتنمية الاقتصادية في العقد الممتد بين 1960 و1970، وهو ما أثمر ارتفاعا في الإنتاج الزراعي بشكل كبير، كما ظهرت بعض مظاهر الرخاء النسبي في الحواضر من خلال ارتفاع عدد السكان.

لقد بدت السلطة السياسية التي حكمت السودان في فترة إبراهيم عبود حريصة على استلهام النموذج المصري، خاصة في الاقتصاد. فقد كانت سياسات الثورة الناصرية مغرية في حمل الجيش على التفاعل مع المجتمع والتحرك خارج الثكنات العسكرية، وهو ما انتهى بتأجيج غضب التيارات السياسية اليسارية التي كانت تنتشر في صفوف الشباب، وانتهى الأمر بإسقاط حكم إبراهيم عبود بثورة شعبية في أكتوبر/تشرين الأول 1964