الفلسطينيون وحق العمل في لبنان

نحو 192 ألف لاجئ فلسطيني يعيشون على الأراضي اللبنانية، 65% منهم يعانون من الفقر ويحرمون من العمل في مهن معينة بقيت محصورة على اللبنانين منذ عدة عقود. جاء قرار وزير العمل نهاية عام 2021 ليمنحهم بارقة أمل، لكنهم ما لبثوا أن انتكسوا بعد أن تبين لهم أن قرار الوزير يتعارض مع قوانين النقابات.

حلقة جديدة من برنامج “عين المكان” على قناة العربي، تتناول أبعاد قرار وزير العمل اللبناني مصطفى بيرم، الذي أعلنه في كانون الأول/ ديسمبر 2021، بالسماح للفلسطينيين المولودين على الأراضي اللبنانية والمُسجّلين بشكل رسمي في سجلات وزارة الداخلية والبلديات اللبنانية، بالعمل في الأعمال والمهن التي كانت وزارة العمل تحصرها باللبنانيين فقط.

قرار الوزير جاء بعد الظروف المأساوية التي يواجهها لبنان من انهيار اقتصادي بفعل تهاوي قيمة الليرة اللبنانية أمام الدولار، وما تبعه من هجرة الآلاف من العمالة اللبنانية والأجنبية. إلا أن إعلان القرار تسبّب بفتح سجالات قانونية وسياسية كثيرة، إذ اصطدم بقوانين النقابات المهنية والأحزاب اللبنانية التي تمنع غير اللبناني من العمل في كثير من القطاعات، بالتالي فإن القانون لن يغير شيء على أرض الواقع.

الجدل المحموم دفع وزير العمل للخروج بمؤتمر صحافي ينفي خلاله تصريحه السابق، إذ أكد أن “ما كان ممنوعًا بموجب القانون والدستور والأنظمة والمراسيم المتعلقة بالمهن، مثل الطب والهندسة والمحاماة وغيرها، ما زال ممنوعًا ولا صلاحية لي بتغيير ذلك”، إذ أن القرار لا يعدّل القانون، ولكن ما تم تحديده هو المهن المحصورة باللبنانيين، مع توسيع هامش عمل الفلسطينيين، فمثلًا سيصيح مقابل كل 3 عمَّال لبنانيين، عاملان فلسطينيان لسدّ النّقص، ومقابل هؤلاء الخمسة يُؤخذ عامل أجنبي من جنسيّات أخرى.

الحلقة تعرض واقع الفلسطينيين الممنوعين من العمل في لبنان قبل إعلان القرار الجديد من خلال قصص ميدانية، من الشبان والشابات الفلسطينيين، ممن حرمتهم قوانين العمل من مزاولة مهنهم على الرغم من امتلاكهم لشهادات جامعية وبمعدلات مرتفعة، لنتعرف من خلالهم على واقع العمالة الفلسطينية في لبنان والظروف التي تواجهها من انعدام فرص العمل، والاضطرار للعمل في مجالات بعيدة عن اختصاصهم، فضلًا عما يلقونه من عنصرية وتحقير بدعوى “حماية العامل اللبناني”.

عرضنا من خلال ضيوف الحلقة أسباب اتخاذ الوزير لهذا القرار والتداعيات التي أعقبته، كذلك مبررات مجالس النقابات المهنية والأحزاب الرافضة للقرار في لبنان، وأبعاد هذا القرار وانعكاساته الحقيقية على الفلسطينيين في لبنان لاسيما بعد خروج الوزير وتوضيحه للتفاصيل. مع عرض لقطات أرشيفية لاحتجاجات اللاجئين الفلسطينيين بعد إعلان وزارة العمل اللبنانية عام 2019 لخطة “مكافحة العمالة الأجنبية غير الشرعية”.

المحامي والمدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية، زياد عبد الصمد، ناقشنا معه واقع الفلسطينيين ضمن قانون العمل اللبناني منذ عام 1982 وحتى اليوم، كذلك العوائق القانونية التي تمنع الفلسطينيين من العمل في لبنان، إذ سبق وأصدرت السلطات اللبنانية قوانين ناظمة لعمل اللاجئين الفلسطينيين ولضمانهم الاجتماعي، لكنهم لم يستفيدوا منها.

عبد الصمد حدّد عائقين سياسيين أساسيين أمام إفساح المجال لعمل الفلسطينيين؛ أولهما، ترهيب بعض القوى من التوطين وتحذيرهم من الخلل الديمغرافي مع ما يعنيه سياسيًا وطائفيًا. وثانيهما، التذرع بمزاحمة ومنافسة اللبنانيين في سوق العمل. وهي حجج يصفها بالهشة، لأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للاجئين لا تقود إلى حقوق مدنية وسياسية، ولأن لبنان ملتزم بقرار الجامعة العربية حول توطين اللاجئين الفلسطينيين، وهناك مادة دستورية واضحة حوله، مضيفًا أن حرمانهم من حقوق طبيعية في العمل، جعلهم عرضة للاستغلال والبطالة، وعمّق عزلة المخيمات وفقرها.

في المقابل، تعرفنا على مبررات رافضي القرار، مع نقيب الصيادلة اللبنانيين جو سلوم، الذي دعا وفور صدور القرار، وزير العمل لإصدار ملحقٍ توضيحي لقراره، يحصر بموجبه وبشكلٍ واضح وصريح مزاولة مهنة الصيدلة في لبنان بالصيادلة اللبنانيين فقط دون سواهم، وذلك لأسباب قانونية وتقنية.

ومع رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، باسل الحسن، ناقشنا أبعاد قرار وزير العمل اللبناني، وانعكاساته الحقيقية على واقع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان لاسيما أصحاب الشهادات الجامعية منهم. فهو يرى أن هناك حاجة لخلق مواءمة بين مصالح الفلسطينيين واللبنانيين، فعمل الفلسطينيين ليس عبئًا على لبنان، طارحًا مثال بأنه وبعد جائحة كورونا، ظهرت حاجة لبنان للفلسطينيين كعنصر بشري لسد الفجوة العددية بالقطاع التمريضي.