فرحات حشاد

أحبك يا شعب حين تبحث وتكثر من البحث عن مجرى أمور بلادك وسير قضيّتك وحين تنتقد وحين تصيح وحين تغضب وحين تدبّر وأحبّك حين تدافع عن مختلف النظريات التي تخطر ببالك في سلوك السياسة العامة وحين تستفسر وتستجوب وحين تناقش وتحاسب ولكنّك تترك النزاعات جانبا عند الشدائد وتنسى التشاكس عند العواصف فتهبّ من كل صوب ومكان وتتخلّى عن شغلك ومصنعك وتندفع بكل قوّتك حيث تلتقي ببعضك بعضا في صف واحد صف الشعب الموحّد الهدف والكلمة صف الأمة المكافحة، صف الحق المدافع عن كيانه والمناضل في سبيل تحريره.

هي آخر الكلمات التي قالها فرحات حشاد، وبقيت بعده شعارا لكل التحركات الوطنية والنضالية والعمالية في تونس.

من هو فرحات حشاد؟

ولد فرحات حشاد يوم 2 فبراير 1914 في قرقنة بولاية صفاقس ونشأ في أسرة فقيرة، إذ كان والده صياد سمك.

دخل المدرسة الفرنسية في سن السادسة وحصل على الشهادة الابتدائية عام 1929، وبعد وفاة والده لم يتمكن من مواصلة تعليمه بسبب الفقر، فالتحق للعمل ناقل بضائع بشركة نقل بحري، ثم عمل ناقلا للبضائع في شركة النقل بالساحل في مدينة سوسة عام 1930، وترأس نقابة أساسية للعمال تابعة للمنظمة الفرنسية للاتحاد العام للعمل “سي جي تي”، كان ‘حشّاد’ مهتما بالقراءات الثقافية والسياسية واكتسب ثقافة وفنا في الخطابة والاقناع. قاد إضرابا عماليا ناجحا سنة 1937 كوفئ على إثره بالنقل من قِبل شركته إلى صفاقس كعقاب له، ثم انتهى به الأمر إلى طرده من وظيفته عام 1939 بسبب نشاطه النقابي وانحيازه للعمال.

خلال الحرب العالمية الثانية تطوع للعمل مع منظمة الهلال الأحمر لرعاية الجرحى، ثم عمل موظفا حكوميا في قطاع الأشغال العمومية في مدينة صفاقس عام 1943 وأصبح رئيسا للاتحاد العام للعمل عام 1944 ثم استقال منه وأسس اتحاد النقابات المستقلة في كل من الجنوب والشمال.

جهود متضافرة، وتحركات عديدة على الصعيدين الوطني والدولي، أثمرت قرارا اتخذه فرحات حشاد وأعلن عنه يوم 20 يناير 1946، بإنشاء حركة عمّالية تعدّ أول منظمة نقابية في إفريقيا والعالم العربي، الاتحاد العام التونسي للشغل.

وقد دعا حشاد مجموعة من شيوخ الزيتونة لحضور التأسيس، سعيا منه لتكريس طابع الاتحاد لدى المنظمة، لتسند الرئاسة الشرفية للاتحاد العام التونسي للشغل للشيخ محمد الفاضل بن عاشور، ويتم انتخاب فرحات حشاد كأول أمين عام،

لم يكن همّ فرحات حشاد وطنيّا فحسب، بل إنه دعا إلى تكوين اتحادات عمالية في شمال إفريقيا، واتجه إلى تشجيع الاتحادات النقابية في المغرب والجزائر، كما دعا إلى تأسيس اتحاد عمالي في ليبيا، أملا في وضع لبنات اتحاد عمالي موحد، ولم يتوقف نشاطه على العمل النقابي فحسب، بل عمل على الاستقلال وما بعده. وقد تجلّى إيمانه بضرورة توحيد الحركة النقابية المغاربية في محاضرة ألقاها في باريس يوم 20 ديسمبر 1946 أمام طلبة شمال إفريقيا، حيث قال: “هذا وإنّ حركتنا العمّالية لا يمكن أن تبقى منكمشة داخل الحدود التونسية، وانخراطها في الجامعة النقابية العالمية سيضمن لتونس مقعدها بين الأمم الأخرى للعمل على تحقيق الحياة الكريمة للطبقة العمالية في العالم، غير أنّ العمل اليومي لمنظمة نقابية في النطاق المحلي محتاج أيضا إلى الاعتماد على وحدة عمّال جميع منظمات البلاد ذات الخطوط المشتركة في ميادين الحياة الأخرى، وأعني بذلك توحيد الحركة النقابية في شمال إفريقيا وهو حلم لن ندخر جهدا في سبيل تحقيقه”.

ثم أضاف “لا مجال أنّ حظ بلدان شمال إفريقيا الثلاث مشترك ووثيق الارتباط وقضيتها واحدة على وجه الإطلاق وعلى هذا يجب إحكام عقد الرباط الأخوي المتين الذي يربط بين الطبقة العمّالية في الأقطار الثلاثة في نطاق جامعة نقابية لشمال إفريقيا”.

كما كان لحشاد الفضل في توحيد منظمتين عمالتين عريقتين بالولايات المتحدة الأمريكية، فعلى إثر زيارته لها، في شهر أبريل من سنة 1952، اقترح على كل من ويليام غرين، من الجامعة الأمريكية للشغل، وجيمس كاري، من منظمة المؤتمر الصناعي لأمريكا، توحيد المنظمتين العماليتين. وقد تم عقد اتفاق الاندماج بالفعل يوم 5 ديسمبر 1955، أي في الذكرى الثالثة لاغتيال فرحات حشاد، ما يعكس المكانة العظيمة التي يحظى بها الزعيم النقابي لدى الحركات النقابية والسياسية على صعيد عالمي.

بعد فشل محادثات الاستقلال بين تونس وفرنسا بداية سنة 1952 اعتقلت السلطات الفرنسية جميع الزعماء الوطنيين فوجد حشاد نفسه أمام مسؤولية قيادة المقاومة التونسية. ففتح باب الكفاح المسلح السري ضد الاستعمار الفرنسي وشجع على تنظيم إضرابات وتحركات شعبية كان لها تأثير كبير على المستعمرين.

لقد قضى حشاد الـ 38 عاما التي عاشها، في الدفاع عن حقوق العمال وعن استقلال تونس من الاستعمار الفرنسي، ما سبب ارتباكا للمستعمر الذي تيقّن أن الزعيم النقابي وراء كل ذلك، فتمّ اتخاذ القرار بوجوب التخلص منه.

لم يرق لفرنسا تصرفات وأعمال فرحات حشاد التي يقوم بها فسيطر القلق عليها وبدأت تدبر وتخطط لقتله, وكان ذلك من قبل منظمة أنشئت لهذا الغرض اسمها اليد الحمراء

الاغتيال:

كان يدرك حشاد أنه عرضة للاغتيال، فوصلته في 25 نوفمبر 1952 رسائل بريدية فيها تهديدات بالقتل إن لم يكف عن أعمال المقاومة من عصابة اليد الحمراء ، فقام يوم الأحد 30 نونبر 1952، بإرسال عائلته إلى مدينة سوسة، بعد شعوره بالخطر، وحين عبّرت له زوجته عن تخوّفها ممّا آت وسألته إن كان مهدّدا بالدخول للسجن، فأجابها وهو يركبها سيّارة الأجرة بأن تقرأ له الفاتحة حتى يدخل السجن، لأنّه كان مدركا تمام الإدراك أنّ موته قريب كما قصّ لها حلمه وهو يشقّ الطريق الرابطة بين محطّة قطارات الضاحية الشمالية وميناء حلق الوادي لوحده على رجليه بين طابورين من الجند الفرنسي اللذيْن اصطفّا من أجله، كي يركب باخرة فرنسية راسية في ميناء حلق  الوادي، وقد أسرّ إلى زوجته بأنّه ضحك في منامه متعجّبا من هذه القوّة الفرنسية الكبيرة من أجل شخص واحد سيركب إحدى البواخر الفرنسية 

في يوم الجمعة 5 ديسمبر 1952، ركب حشاد سيارته منطلقا من منزله في رادس نحو مقر الاتحاد في مدينة تونس، حوالي الساعة السابعة والنصف صباحا. وكان الجو ماطرا، وفي الطريق وبالقرب من مدينة رادس، طاردته سيارة كانت تحاول أن تضيق عليه الطريق، فقام شخص من داخل السيارة بإطلاق النار عليه فانقلبت سيارته، إلا أنه لم يمت بل خرج منها جريحا.

وكان من عادة الفرنسيين عند القيام بعمليات اغتيال أن يرسلوا فريقين، بحيث يقوم الفريق الأول بالعملية ويهرب، وتكون مهمة الفريق الثاني أن يراقب سير العملية ليتفادى أي أمر طارئ، وعند خروج حشاد من سيارته لم يكن يعلم أن السيارة الثانية تابعة لهم، فأشار إليهم ليأخذوه للمستشفى لإسعافه، فصعد في السيارة وقاموا بإطلاق النار عليه، ثم رموه من السيارة في حفرة بالطريق.

عثر على جثته في طريق بمنطقة ‘نعسان’ من ولاية بن عروس وعليها آثار طلقة نارية في الرأس ووابل من الرصاص في الجسم، وقد أثار اغتياله جدلا كبيرا في تونس حول الفاعلين.

على إثر الإعلان عن جريمة اغتيال الزعيم فرحات حشاد، أعلن الاتحاد العام للنقابات المغربية وحزب الاستقلال يوم 6 ديسمبر 1952، عن قرار إضراب عام مدة 24 ساعة ليوم الاثنين الثامن من ديسمبر 1952، وقد استُهلّ قرار الإضراب بما يلي

“إن الطبقة العاملة وشعوب إفريقيا الشمالية والعالم الإسلامي في حداد على إثر الجريمة الشنعاء التي استهدفت حياة أخينا فرحات حشاد، فآلام إفريقيا الشمالية متأججة وكل العمال في حداد”.

وقام النقابيون البيضاويون بتشكيل لجان للسهر على تنظيم الإضراب وإنجازه، فغطّت المناشير كل أرجاء المدينة، وخُطّت على الجدران عبارات داعية للإضراب العام.

قبل يوم من الإضراب المقرر، اجتمع نحو 2000 عامل بشارع لاسال المسمى حاليا “شارع فرحات حشاد”، وسرعان ما تطور الأمر إلى اشتباكات استعمل فيها الرصاص الحي، لتتعاظم الجموع المنضمّة إلى المظاهرات حينها ويسقط عدد من القتلى والجرحى.

وفي ساعة متأخرة من الليل، تمّت محاصرة المنطقة بالمدفعيات الثقيلة من قبل القوات الاستعمارية، لكن ذلك لم يمنع تجدد المواجهات مجددا صباح يوم الإثنين، حيث ارتفع عدد الضحايا، كما تمّ اعتقال عديد الأسماء النقابية أبرزها المحجوب بن الصديق، عضو مكتب الاتحاد العام للنقابات المتحدة بالمغرب، ومحمد الشرقاوي، كاتب فيدرالية الموانئ والشيالين.

فكان الاضراب على قتل حشاد، وما تبعه من حراك وثورة في المغرب هو ما أدى لاحقا لتحرر المغرب.

وقد اعترف أنطوان ميلير عضو المنظمة الفرنسية السرية “اليد الحمراء” في كتاب أصدره عام 1997 بعنوان “اليد الحمراء: الجيش السري للجمهورية” بوقوف فرنسا وراء اغتيال حشاد.

تقول زوجة فرحات حشاد: كنت شديدة القلق على زوجي. وفي منتصف النهار، سمعت عبر الإذاعة باللّغة الفرنسية نبأ اغتيال الزعيم فرحات حشاد، ثم كذبوه. وبين التّكذيب والتّأكيد اختلفت الأخبار في تونس. فالبعض بلغهم خبر الاغتيال، والبعض الآخر بلغهم أنه على قيد الحياة، ولكن الخبر أصبح يقينا. وعمّت الأحزان في العائلة وفي البلاد عامة، وأغلقت المحلات العمومية، وعبّرت البلاد عن مصابها بكل وسائل التعبير عن الفاجعة.

يوم 6 ديسمبر 1952، انتقلنا من رادس إلى صفاقس بواسطة سيارة أجرة، ومن صفاقس تحولنا إلى قرقنة عبر وسيلة نقل بحرية Vedette تابعة لإدارة الأشغال العمومية.

وفي عرض البحر جاءت الباخرة لتسلّمنا التابوت، تفاديا لتنظيم مظاهرات عند مرور جثمان سي فرحات في البر. وكان التابوت مرفقا بـ 50 عسكريا لتأمين عملية الدّفن بكل هدوء في جزيرة قرقنة. وتذكرت ما رواه لي في حلمه المزعج قبل أيام.

في جزيرة قرقنة كانت السّلطة الوحيدة الموجودة آنذاك “الشيخ” الذي جاءته التعليمات لإعداد قبر. ولكن الأهالي والعائلة جهّزوا قبرا آخر قرب منزل والده. وأثناء الحفر عثروا صدفة على كمية هائلة من السلاح المعدّ للثوار وذلك قبل قدوم السّلطات.

وفي ذلك اليوم، قام الاستعمار بقطع كل الخطوط الهاتفية، وعمدوا إلى الإسراع بالدفن لكيلا ينتشر الخبر. لكن الأهالي بلغهم نبأ استشهاد فرحات حشاد، فتظاهروا في كامل الجزيرة إضافة لكامل البلاد التونسية.

وبما أن التابوت كان مغلقا، فقد أصررت على فتحه لأتأكد أوّلا من وجود زوجي داخله، وثانيا لألقي نظرة الوداع على سي فرحات الشهيد والزعيم المخلص والزوج العطوف. وبعد صراع مع “الشيخ” فتحنا التابوت، ورأيت سي فرحات وكأنه حيّ بابتسامته المعهودة، وعيناه شبه مفتوحتين.

وقمت وأخيه حسن وابني نور الدين الذي كان عمره آنذاك 8 سنوات ومعنا ثلة من المناضلين بتوديع جثمان الشهيد الوداع الأخير. ودفن أمام المنزل بالعباسية بجزيرة قرقنة.

ثم رجعت وأبنائي إلى تونس، حيث كنا نقيم بمدينة رادس وبقي ضريح سي فرحات بقرقنة إلى غاية 5 ديسمبر 1955.

صورة الجنازة عند نقل جثمان الشهيد من أرشيف السيدة القايد الخاص

في سبتمبر 1955 قرر الإتحاد العام التونسي للشغل تنظيم جنازة وطنية انطلقت من جزيرة قرقنة إلى صفاقس، وصولا إلى تونس، وقوفا ببعض المدن.

وفي ذلك التاريخ كان النزاع قائما بين الزعيمين صالح بن يوسف وبورقيبة. وعندما عاد بن يوسف من المطار، زار الباي في قرطاج ومنها مباشرة إلى رادس لزيارتي. وسمع الزعيم بورقيبة بذهابه إلى دار حشاد فسبقه والتقى الاثنان هناك، وهو آخر لقاء تم بين الزعيمين.

كان صالح بن يوسف يريد أن يحضر يومها موكب الدفن في القصبة، وكان البعض يرتب لنزاع مسلح في توقيت الدفن بين جماعة الحزب وجماعة الأمانة العامة. ولكن بعد مفاوضات بين الطرفين استقر رأي الجميع على عدم تشويه هذا اليوم التاريخي في حياة النضال التونسي، لكي يبقى اسم فرحات حشاد طيّب الذكر في حياته ومماته وعنوانا. للوحدة ولمّ الشمل.

تخليد اسم حشاد

تخليدا لذكراه، أطلقت السلطات اسم فرحات حشاد على عدد من المؤسسات العمومية في البلاد على غرار المستشفيات والمدارس والمعاهد والساحات والشوارع. وتحتفي تونس بنضالات الرجل من خلال تدريس مساره في عدد من مناهج التعليم.

حرص الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في اول زيارة رسمية لرئيس فرنسي لتونس بعد الثورة ان يتطرق في كلمته امام المجلس الوطني التأسيسي التونسي يوم 05 يونيو 2013 لعملية اغتيال فرحات حشاد، وقدم وثائق سرية إلى زوجة وابن فرحات حشاد تدعي أن الجهة التي قتلت حشاد ليست “اليد الحمراء” وإنما مخابرات سرية تابعة للحكومة الفرنسية ولا تزال عائلة حشاد تطالب بالكشف عن حقيقة اغتياله. كما أعلن الرئيس في كلمته عن تضمين جدول زيارته زيارة لضريح الشهيد ولقاء ارملته وابنائه وافاد ان ذلك يندرج في إطار رد الاعتبار.

كما قام عمدة باريس برتراند دي لانوي التونسي المنشأ بمبادرة كان لها وقعها اذ تولى بتاريخ 30 افريل 2013 منح اسم فرحات حشاد لساحة عامة بالدائرة 13 بباريس.