تهريب الأدوية في العراق

دولة كانت تعتبر في عقدي الستينات والسبعينات الثانية عربيًا في الرعاية الصحية، أصبحت اليوم عاجزة عن توفير أبسط الأدوية لمواطنيها. هناك حيث لا يعثر غالبية المرضى على أدويتهم في مستشفيات الدولة، لكنهم بالتأكيد سيجدونها بسهولة لدى تجار السوق السوداء على أرصفة المشافي أو لدى الصيدليات الأهلية وبأسعار باهظة، رغم فعاليتها المتدنية، أو انتهاء فترة صلاحيتها.  فكيف وصل العراق إلى هذا الحال؟

أدوية مهربة من خارج العراق

في هذه الحلقة من برنامج “عين المكان”، فتحنا خلالها ملف الفساد في قطاع الأدوية بالعراق، هذا الوباء المتفشي بصمت منذ عام 2003، نتيجة عوامل متعدّدة ومتشابكة أهمها الفساد والتواطؤ وضعف الرقابة.

إذ يعاني العراق منذ عام 2003، من العجز عن توفير الأدوية اللازمة لمواطنيه محليًا، منذ تلك الفترة بدأ التجار والشركات الخاصة في استيراد الأدوية وتهريبها وبيعها بأسعار تقل عن أسعار السوق، ما أدى إلى نشوء أزمة داخل صناعة الأدوية المحلية في العراق، حيث نشط السماسرة والتجار آنذاك في سبيل جني الأرباح، بغض النظر عن المشكلات الصحية التي قد تنجم عن رداءة جودة الأدوية التي يستوردونها.

استمرت ظاهرة تهريب الأدوية، ونشطت المافيات عبر المعابر الحدودية غير الرسمية للعراق، تلك الأدوية المهربة يتم بيعها إلى التجار وأصحاب الصيدليات الخاصة، حتى أصبحت الأدوية تباع بأسعار منخفضة، في المناطق الشعبية على “البسطات” من قبل أشخاص وباعة جوالين، لا علاقة لهم بالطب او الصيدلة، بل حتى تجار الألبان والخضروات باتوا يتداولون الأدوية المهربة ويبعونها كونها تدر عليهم أرباحًا مضاعفة. وبالطبع كثير من تلك الأدوية فاسدة ومغشوشة.

أدوية مهربة تباع على بسطات في الشوارع

 يعاني العراق من انتشار مرض السرطان بصورة واسعة، بعد احتلاله عام 2003، وذلك بسبب استخدام أسلحة محرمة دوليًا في مختلف مدنها خلال الحرب، ما نتج عنه انتشار التلوث الإشعاعي في أرجاء البلاد ومفاقمة التداعيات الصحية والبيئية، فأصيب مئات اَلاف السكان، كبارًا وصغارًا بأمراض عضال في مقدمتها الأمراض السرطانية القاتلة.

وخلال السنوات الأخيرة برزت ظاهرة شح أدوية السرطان من المشافي العراقية الحكومة، على حساب توافرها بوفرة لدى باعة الأرصفة وأصحاب الصيدليات الخاصة، حيث يعاني آلاف المصابين بمرض السرطان في العراق من صعوبة الحصول على العلاجات اللازمة من المستشفيات الحكومية المتخصّصة، كذلك من ارتفاع ثمنها مع عدم قدرتهم على مواجهة تداعيات ذلك اقتصاديًا، ناهيك عن الآثار الصحية الناجمة عن ذلك. حيث تصل تكاليف بعض الأدوية إلى نحو ألف دولار أميركي لحقنة واحدة من العلاج الكيميائي، من دون احتساب تكاليف جرعات العلاج بالأشعة والأدوية المهدّئة للألم.

حاولنا التواصل مع مسؤولين من شركة كيماديا المتخصصة في استيراد الأدوية ومستلزمات وزارة الصحة لسماع ردهم على ما ورد من اتهامات، لكن لم نسمع منهم ردا.

كانت وزارة الصحة في السابق تستورد الأدویة والمستلزمات والأجهزة الطبیة من خلال شركة “كیمادیا” ، حيث أن العملیة الاستیرادیة كانت تمر بمراحل علمیة رصینة وفقًا للمعاییر الدولیة، وبعدها تتخذ الشركة الإجراءات الأصولیة لتوقیع العقود مع الشركات العالمیة المجهزة وفقًا للقواعد العالمیة الرصینة. لكن بعد عام 2003، منحت الصلاحية للقطاع الخاص وبعض المنظمات من دون الالتزام بالضوابط، وكذلك مع عدم مرور العملیة الاستیرادیة بالمراحل العلمیة، لاسیما في ظل عدم السيطرة على المنافذ الحدودیة، الأمر الذي خلق فوضى عارمة تهدد حياة الملايين بالخطر، وجعل الثقة العالية بالمؤسسات الصحية العراقية تنهار.

واليوم، تقف المؤسسات العراقية عاجزة تمامًا أمام هذه الظاهرة، تاركةً المريض العراقي يعاني وحده همّ تأمين الدواء وثمنه إضافة لهمّ مرضه