- تعريف بالشخصية
أنيس صايغ.. كاتب، باحث ومفكر عربي، ترأس مركز الأبحاث الفلسطيني وكان صاحب فكرة مشروع الموسوعة الفلسطينية، ولذا وُصف بحارس الذاكرة الفلسطينية. أدار مركز الأبحاث وألف عشرين كتابا منها كتاب “١٣ أيلول” الذي كتبه اعتراضا منه على اتفاقية أوسلو. حاولت إسرائيل اغتياله عام 1972 بطرد مفخخ أصيب من جرائه بضعف نظر وبتر بعض أصابعه.
في هذه الحلقة من مذكرات سنستعرض سيرة خصبة لمثقف وأكاديمي فلسطيني عاش 75 عاماً، قضى جلّها في العمل الفلسطيني والعربي، وكان على مقربة من المسؤولين البارزين في منظمة التحرير الفلسطينية والكثير من الزعماء العرب.. في زمن اتّسم بالكثير من التحوّلات والمفاجآت.
ولد أنيس صايغ في طبريا في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1931 لأب سوري هاجر إلى فلسطين هو عبد الله صايغ، والدته عفيفة البتروني فلسطينية والدها من أصل لبناني. زوجته هيلدا شعبان وهي أردنية من السلط.
وفي نشأته الفلسطينية ونسبه الممتد والمتنوع في بلاد الشام، كان يرى أن ذلك الامتداد “صفعة للسيدين مارك سايكس وجورج بيكو” صاحبي مشروع تقسيم البلاد العربية وتجزئتها عام 1916.
أكمل أنيس دراسته الثانوية في مدرسة الفنون الإنجيلية في صيدا التي انتقل إليها بعد احتلال طبريا. وحصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية والتاريخ سنة 1953 من الجامعة الأميركية في بيروت، ثم حصل بعدها على الدكتوراه من جامعة كامبردج في العلوم السياسية والتاريخ العربي 1959.
ورغم تنقله بين العديد من المدن، يقول بأنه:” طبراني لا غشّ فيه“، مؤكداً أنّ تعدّد المدن، التي عاش فيها بعد اللجوء، لم يغيّر معنى طبريا لديه في شيء.
تأثر في طفولته بالجو العلمي والثقافي في المنزل، فيقول: “كان الكتاب زينة البيت وثروته الأساسية […] اعتدنا أن يكون لكل فرد في الأسرة مكتبته الخاصة به” من الوالد إلى أصغر الأبناء.
وظهر هذا جليا في حبه للمطالعة الحرة: “وإذا كانت المدرسة هي الأبشع في ذكرياتي الطبرانية فإن محل أحمد منصور هو الأجمل. كنت ظهر كل يوم أحضر منه إلى البيت صحف النهار ومجلات الأسبوع. كنت مصاباً بنهم المطالعة […] كنت) دودة كتب (ومجلات منذ الصغر […] ولم أكن فريداً في ذلك بين أفراد الأسرة”
إلا أن طابع الإلزام المفروض في المنزل، انعكس عليه سلبيا على صعيد الصلاة التي انقطع عنها، وعلى صعيد المدرسة، إذ يقول: “كرهت الدرس كطالب وكرهت التدريس كأستاذ طيلة حياتي […] وأعترف أيضاً أن أبشع ذكرياتي هي التي تتعلق بالتلمذة والأستذة في المدرسة والكلية والجامعة، وأن معاهد التعلم والتعليم كانت أبشع الأماكن التي اضطررت إلى التردد إليها” رغم أنه كان طالبا متفوقا في جميع المراحل، والأول دون منازع.
تأثر أنيس صايغ، في فترة مبكرة من حياته، بأفكار الحزب السوري القومي الاجتماعي من دون أن ينتسب إليه رسمياً، ثم صار يتبنى، منذ أواسط الخمسينيات، الفكر القومي العربي. يقول صايغ في مذكراته: “الحزب في مصطلحات العائلة] الصايغية [هو الحزب السوري القومي […] وقد انفرد الحزب المذكور بهذا الاستئثار”.
ظهر فكره القومي في عدد من كتبه: “عبّرت عن )تحولي( الفكري واعتناقي العقيدة القومية العربية في خمسة من الكتب ظهرت تباعا بين 1958 و1966”.
ويختم حديثه عن الحزب بالقول: “إن الحزب يبقى فيّ حتى وإن لم أبق أنا في الحزب. تبقى فيّ علمانيته وتقدميته ونظاميته ووفاؤه للأمة ونضاله من أجل فلسطين”. ثم يستدرك قائلاً: “لم تعد تحديداتي لمفهوم الأمة والقومية تتطابق مع المفهوم الحزبي، وإن كانت حدود الوطن لا تتطابق في قناعاتي كما هي في مبادئ الحزب”.
كتب أنيس صايغ عشرون كتاباً ومئات المقالات والأبحاث، كما وضع القلم في أيد واستكتب مئات المثقفين والباحثين في القضية الفلسطينية ليثروا المكتبة الفلسطينية من منشورات مركز الأبحاث والمجلات والموسوعة الفلسطينية التي رأس تحريرها وأدارها.
يعرّف صايغ نفسه قائلا” :ولم أكن إلّا كاتباً. ولا أحب أو أستحق أن أوصف إلّا ككاتب”.
حينما كان لا يزال في الدراسة الثانوية راسل العديد من المجلات.. ومع ذلك فإنه لم يحترف الصحافة، وانتقل إلى عالم التأليف. ترجم العديد من الكتب، وشارك في موسوعتين هما” :الموسوعة العربية الميسرة” و”قاموس الكتاب المقدس.”
بعد عودته إلى بيروت سنة 1964 تولى منصب مدير تحرير القاموس الإنكليزي-العربي، وكانت مؤسسة فرانكلين تمول المشروع. لكنه استقال من المنصب في موقف احتجاجي على اعتراض فرانكلين على مضمون ندوة ألقاها في النادي الثقافي العربي… كان ذلك في النصف الأخير من سنة 1966، وبعدها بأيام تلقى عرضاً للعمل مديراً لمركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما كان، إذ “استلمتُ العمل في مركز الأبحاث يوم 7/8/1966…”
أصدر أنيس صايغ أو ترأس تحرير مجلات” :شؤون فلسطينية”؛ “المستقبل العربي”؛ “قضايا عربية”؛ “شؤون عربية.” وقد امتدت مسؤوليته عن هذه المجلات إحدى عشرة سنة (1971 – 1982).
أتت المذكرات لتسد فراغاً في التأريخ لهاتين التجربتين الثقافيتين. وكما هو معروف، فإن للمركز والموسوعة مكانة خاصة في نفس أنيس صايغ لأن إشرافه المباشر عليهما وعمله المتفرغ فيهما جعل كلاًّ منهما يجسّد مفهومه للرسالة الثقافية وأسلوبه في أداء تلك الرسالة بشكل عملي.
عن تطور المركز يقول: “عندما تسلمت مهام إدارة مركز الأبحاث […] كان المركز يحتل شقة متوسطة الحجم […] وحينما غادرت […] وكان قد انتقل إلى بناية مجاورة في شارع كولومباني شغل ستاً من طبقاتها الواسعة […] كانت المنشورات قد تجاوزت الثلاثمئة. وأضيف إليها مجلة شهرية ونشرة رصد […] أمّا الباحثون فقد ارتفع عددهم من ثلاثة إلى أربعين، وارتفع عدد الإداريين والمحررين من خمسة إلى عشرين. وارتفع جهاز التوثيق من أربعة إلى عشرة”.
ويعيد الفضل لأصحابه فيقول: “أعترف […] بأني مدين في نجاح المركز […] إلى ثلاثة: إلى رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ]أحمد الشقيري[ الذي رعى المركز ويسر له الحماية […] وإلى فايز صايغ الذي […] أرسى قواعد العمل وفروعه وأسلوبه […] أدين أخيراً إلى الاحتضان الرائع الذي حظي به المركز من جمهرة المثقفين العرب”.
تسجل المذكرات أن “التوثيق هو الجانب الأهم من مهام المركز”. أما المكتبة فيه، فقد أصبحت “أكبر مكتبة من نوعها خارج فلسطين”. و”أخذ المركز على عاتقه “إنتاج مجموعة جديدة من الباحثين الفلسطينيين والعرب المتخصصين بالقضية وفروعها ونواحيها المتعددة القادرين على سد الفراغ الهائل في مكتبة العلم الفلسطيني”.
وبعد أن سجل صايغ حسن علاقة المركز بالرئيسين أحمد الشقيري ويحيى حمودة على التوالي، يقول” :تبدل الحال جوهرياً بانتقال مقاليد الرئاسة إلى ياسر عرفات 1969″. ويفرد فصلا عن ذلك.
أمّا العلاقة بالمؤسسات الثقافية المشابهة الأُخرى؛ فقد تراوحت بين تعاون وتنافس رياضي أحياناً وغير رياضي أحياناً أُخرى. حيث يوثق صايغ علاقة المركز بمركز الدراسات التابع لجامعة بغداد، ومركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ومؤسسة الدراسات الفلسطينية، إضافة لمركز التخطيط.
ويوثق صايغ تعرض المركز لاستهدف الاحتلال الإسرائيلي عدة مرات؛ الأولى في العام 1971 بتفجير مدخله بالديناميت، والثانية في العام 1972 بمحاولة اغتيال أنيس صايغ بظرف ملغوم، والثالثة في العام 1974 بقصفه بالصواريخ، ثم باحتلاله وسرقة أكثر من عشرة آلاف كتاب منه في اجتياح لبنان في العام 1982، ثم بنسفه في العام 1983.
ولا ريب أن هذا القسم هو أخطر أقسام المذكرات وأكثرها حساسية، نظراً لخطورة القضية التي يتناولها وحساسيتها. يبدأ صايغ هذا الفصل بتحفظين يؤكدان “أن الحديث […] ينحصر في نطاق العلاقات بين الرجل ]ياسر عرفات[ وبيني في ثلث قرن من الزمان، بسلبيات هذه العلاقات وإيجابياتها”.
ويقول: “أما أن يعتب علي بأني أنبش صفحات من الذاكرة عن عرفات بعد رحيله فأمر مردود ومرفوض، لأن هذه الصفحات جزء أساسي من تاريخ شعب وقضية ثورة. وإن تجارب المرء الشخصية حق من حقوق الأمة وتراثها الثقافي والسياسي والنضالي، وليست ملكا لفرد يستأثر بها ويتستر عليها. رحم الله ياسر عرفات”.
ويبرر صايغ ذلك بالعلاقة الأزلية بين المثقف والسلطة: “هذه العلاقة ما كان يمكن أن تكون غير ما كانت عليه فعلاً ما دام عرفات هو ما هو عليه وأنا ما أنا عليه، في العقلية والنظرة إلى الثقافة والنشاط الثقافي وحرية الكاتب وصدق الكلمة والانضباط والتضحية والسلوك السياسي والفردي والعلاقة بين المثقف والسلطات. أي أنه كان على أحدنا أن )يبدل جلده( ويقلب مقاييسه ومُثُله وأساليبه رأساً على عقب”.
ويوضح: “لم يكن لعرفات مآخذ واضحة وصريحة ومباشرة على إدارتي لمركز الأبحاث. فقد كان المركز منذ صدور قرار إنشائه مستقلا استقلالا ذاتيا غير خاضع لأي جهاز في منظمة التحرير ومستقلا عن فصائل المنظمة المختلفة. كنت أحرض على إقامة علاقات واحدة متساوية مع كل الجماعات والمؤسسات والفصائل والمنظمات العسكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية والتربوية والنقابية والأهلية. وكنت أعلن دوما أن المركز لفلسطين وليس لجماعة ما”… وبكلام آخر “لم يكن المركز يحابي فصيلا أو مسؤولا على حساب آخر. كان يعالج الموضوعات، في منشوراته ونشراته ومجلته الشهرية، التي تهم الجميع والتي يسأل عنها الجميع بغض النظر عن اتجاهاتهم التنظيمية والعقائدية”.
بالمقابل: “كان عرفات يريد أن يكون المركز ومنشوراته وباحثوه رجال إفتاء يجيزون الأفكار والآراء والأحكام التي يريدها حسب مزاجه وفهمه للأمور. وحتى يتحقق ذلك، كان يريد أن تكون التعيينات والاستكتابات تصدر عنه أو على الأقل بعد التشاور معه وأخذ موافقته. وكان يتعامل مع المركز كما يتعامل مع هيئات منظمة التحرير ودوائرها، بتقسيم الوظائف والمنح حسب الفصائل وعلاقاتها معه شخصيا، وليس حسب الكفاءات والحاجات والانتماء لفلسطين”.
ويروي أنيس صايغ العديد من المواقف التي “تكشف عن خطأ نظرة عرفات نحو هذا المركز العلمي المستقل. إذ كان يريده مؤسسة خاصة تابعة له شخصيا فتخوض “حروبه” مع الآخرين، سواء كانوا من الفصائل الفلسطينية أو حتى من منافسيه في حركة فتح التي كان يتزعمها”.
وعندما عقد ياسر عرفات اتفاقية أوسلو مع إسرائيل، خلص أنيس صايغ إلى أن هذا النهج هو سبب عداء عرفات له وللمركز… فيقول:
“في الثالث عشر من أيلول/سبتمبر 1993 سقطت الأقنعة نهائيا عن وجه السيد ياسر عرفات، ومعاونيه وبطانته وزلمه وحاشيته. وانكشفت النوايا والمخططات. وتبيّن لماذا كان مركز الأبحاث ومجلته والموسوعة الفلسطينية (المجندة كلها ضد الاستسلام) هدفا دائما للطعن ومحاولات الإلغاء والتدمير. إن وصول المسيرة إلى تسوية 13/9 الاستسلامية كانت تفرض هدم العقبات وإزاحة العراقيل. لا بد من شطب النضال الثقافي لتحقيق الاستسلام السياسي”.
٥. موقفه الرافض لأوسلو:
انتقد بقوة اتفاق أوسلو وألف حول كتابا بعنوان “13 أيلول”، صب فيه جام نقده ونقمته على الاتفاق وصانعيه والمروجين له، واعتبره نذير شؤم على الكفاح الفلسطيني، ومسمارا آخر دق في صندوق هيأه الاحتلال الإسرائيلي لدفن القضية الفلسطينية، بل اعتبره خطرا رئيسيا نبع من داخل الصف الفلسطيني.
يقول: “في 13 أيلول/سبتمبر 1993 وقع المحذور بعد أن أوهمنا أنفسنا بأن ما من زعيم فلسطيني يستطيع أن يبرم مثل هذا الاتفاق مع العدو، اتفاق استسلام وإذعان وخضوع وخنوع من كل النواحي وعلى كل الصعد”]…[ “كنت قبل ذلك التاريخ، وفي عملي في المركز والموسوعة (1966-1993) أعتبر نفسي مكلفا بإنجاح هذين المشروعين الكبيرين وحمايتهما والسير بهما من نجاح إلى نجاح. ومن أجل ذلك تحملت الطعنات وسكتّ عن التهجمات واستوعبت الاعتراضات وقفزت فوق العراقيل، وتجاهلت الإساءات. كل ذلك من أجل بقاء المركز والموسوعة، في سبيل الدفاع عن صرحين شامخين صرفت ثلاثين سنة في تشييدهما. أما بعد أن أبرأت ذمتي وتحللت من ارتباطاتي المؤسسية، أصبح بإمكاني أن أبدأ الهجوم منفلتا من مرحلة الدفاع السابقة الطويلة.. الهجوم على العدو من خلال الهجوم على أعوانه والمستسلمين له ودعاة الفتنة والهزيمة والردة في صفوف ثورتنا الفلسطينية العربية”.
“في 13 أيلول/سبتمبر عدت إلى الساحة […] خضت المعركة مع اتفاق الذل والاستسلام على ثلاث جبهات: عقد الندوات واللقاءات الصحافية والإعلامية، وتأليف كتاب (13 أيلول(، والدعوة إلى عقد المؤتمر الوطني الفلسطيني لحماية الميثاق الوطني الفلسطيني الذي انعقد فعلاً في أواخر 1998 في دمشق”.
عرض صايغ ما قام به تحت عناوين متعددة، ولعل أهمها هو “اللقاء الثقافي الفلسطيني” كمنبر ثقافي أسبوعي، والذي عقد حتى تاريخ إعداد الكتاب “حوالي ثلاثمئة وخمسين جلسة، حاضر فيها حوالي مئتين وسبعين محاضراً”.
يختم أنيس صايغ سيرته الذاتية قائلاً:
“في طبريا وعلى الطريق إلى طبريا، ومن أجل طبريا، يطيب الموت، لأن المرء يموت واقفاً، وكأنه لا يموت. هناك يتساوى الموت مع الحياة حلاوة. ودون ذلك تتساوى الحياة مع الموت مرارة.” وبذا فالحياة بالنسبة إلى أنيس صايغ هي الوطن، وبدون وطن حر لا حياة، وما أحلى الموت إذا لم يكن هناك هدف في العودة إلى الوطن.
توفي أنيس صايغ في عمّان في 25 كانون الأول/ديسمبر 2009، ونُقل جثمانه إلى بيروت ودُفن فيها.
